الرئيسية مقالات و آراء تساؤلات حول وفاة فرح وجنينها داخل مستشفى عمومي

تساؤلات حول وفاة فرح وجنينها داخل مستشفى عمومي

6 ثانية قراءة
0

إبراهيم الحداد: باحث في الشأن القانوني

تفاعلا مع قضية المرحومة فرح التي قضت نحبها ليلة 18/19 شتنبر 2019 بالمستشفى الإقليمي للا مريم بالعرائش بعدما ولجت اليه من أجل وضع مولودها، وبعد جلستين ماراطونيتين للمحاكمة، الأولى يوم الاثنين 28/10/2019 والتي امتدت من الساعة الرابعة والنصف بعد الزوال الى غاية السابعة صباحا من يوم الثلاثاء 29/10/2019، والثانية يوم الأربعاء 30/10/2019 من الساعة الثانية والنصف بعد الزوال الى حدود الخامسة صباحا من اليوم الموالي، وأمام كثرة المناورات التي شهدتها جلسات المحاكمة في محاولة كل طرف لإبعاد المسؤولية عن نفسه خصوصا ما بين الطبيب والمولدتين بعد أن أصبحت مديرة المستشفى مجرد شاهدة، وامتناع المندوب الإقليمي للصحة عن الحضور الى الجلسة السابقة قبل أن تقرر المحكمة استدعائه من جديد، الى جانب مديرة المستشفى مع اجراء خبرة طبية على ملف الهالكة.

وأمام تنصل كل طرف من المسؤولية ثار تساؤل جوهري بين كل متتبعي هذا الملف حول طبيعة وفاة المرحومة فرح وجنينها، هل الأمر مجرد قضاء وقدر وأن الهالكة قضت نحبها بطريقة مفاجئة؟ أم ان الأمر يتعلق بإهمال وتقصير؟ وفي حالة وجود هذا الإهمال من المسؤول عنه؟

هل كانت حالة الضحية فرح تتطلب حضور الطبيب، أم لا؟… نعم للأسف الشديد حتى هذا أصبح سؤالا يطرح بحدة داخل المحكمة وخارجها مما اضطر المحكمة الى طلب رأي الخبرة في هذا الموضوع (هل كانت حالة فرح تتطلب حضور الطبيب أم لا؟) وكأن فرح توفيت بمنتزه أو بشارع أو في غابة، وكأنها لم تلقى حتفها داخل مؤسسة عمومية لها قوانينها المؤطرة والمنظمة والكفيلة بالجواب على هذا السؤال.

لكن قبل الجواب على هذا السؤال، لابد من الإجابة على أسئلة أخرى مرتبطة به:

لماذا لم يتواجد أي طبيب توليد بالمستشفى لحظة وصول فرح؟

لم يتواجد أي طبيب توليد لأن إدارة مستشفى للا مريم تعتمد نظام يسمى بالخدمة الإلزامية وهو نظام يقتضي التواجد الاجباري للطبيب المكلف بهذه الخدمة داخل النفوذ الترابي للعمالة أو الإقليم الذي توجد فيه المؤسسة الصحية المعنية وأن يلتحق المعني بالأمر بهذه المؤسسة فور اشعاره بالحضور.

وحسب المرسوم رقم 623-06-2 الصادر في 13 أبريل 2007 بشأن التعويضات عن الحراسة والخدمة الإلزامية والمداومة المنجزة بالمؤسسات الصحية التابعة لوزارة الصحة وللمراكز الإستشفائية الجامعية، كما وقع تعديله، فإنه في مقابل هذا النظام يوجد نظام الحراسة والذي يقتضي الحضور الفعلي للطبيب بالمصالح الطبية.

وبناء على المادة الثانية من المرسوم المشار اليه فان الأطباء المتخصصين في طب النساء والتوليد يجب أن يشتغلوا وفق نظام الحراسة (أي التواجد الفعلي في المستشفى) في شكل وحدات زمنية تحدد كل وحدة منها في 12 ساعة متصلة لكل طبيب، تليها مباشرة 12 ساعة متصلة من الراحة الإجبارية. ولا يتم اللجوء الى نظام الخدمة الإلزامية الا اذا قل عدد هؤلاء الأطباء عن ثلاثة في نفس التخصص وفي نفس المصلحة الاستشفائية.

وعليه، ومادام المستشفى الإقليمي للا مريم يتوفر على ثلاث أطباء متخصصين في طب النساء والتوليد، ومادام كل من مديرة المستشفى والمندوب الإقليمي للصحة مكلفين بالسهر على تطبيق القوانين والضوابط المسطرة من طرف وزارة الصحة، فإن سماحهم بتطبيق نظام الخدمة الإلزامية بالمستشفى هو السبب الرئيسي لغياب الطبيب لحظة وصول الضحية فرح، واعتماد هذا النظام رغم أن عدد الأطباء المختصين في طب النساء والتوليد لا يقل عن ثلاثة يعتبر مخالفة صريحة للنظم والقوانين المؤطرة لهذه الخدمة، ومادام هذا الاخلال قد نتج عنه وفاة فإن المديرة والمندوب الإقليمي مسؤولان جنائيا بمقتضى الفصل 432 من القانون الجنائي الذي يدين كل من ارتكب بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم مراعاة النظم أو القوانين قتلا غير عمدي او تسبب فيه عن غير قصد. وكان لزاما على النيابة العامة أن تحرك المتابعة في حقهما احقاقا للحق وردعا لكل من سولت له نفسه التلاعب بصحة المواطنين.

2.أين كان الطبيب لحظة احتضار فرح؟

قد يبدو هذا السؤال غريبا عند الوهلة الأولى، لكنه يخفي خلفه السبب الأساسي في تردي الخدمات الصحية المقدمة في المستشفيات العمومية لصالح القطاع الخاص طبعا، هذا القطاع الذي تغول في مدينة العرائش على حساب دافعي الضرائب، لأن جل الأطر الطبية العاملة في المصحات الخاصة هم اطر تابعين للدولة ومكان اشتغالهم الطبيعي هو المستشفيات العمومية. فكل من القانون 13/131 المنظم لمهنة الطب والظهير رقم 1-58-008- بتاريخ 24 فبراير 1958، بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يصبان في منحى منع أطباء القطاع العمومي من الاشتغال في المصحات الخاصة، وسبق لوزير الصحة أن أصدر دورية تحت رقم 128 بتاريخ 27 نونبر 2012، تحت عنوان “الممارسة غير المشروعة للطب الخاص من طرف الأطباء الموظفين، ذكر من خلالها بقرار المجلس الحكومي المتخذ في اجتماع بتاريخ 08 نونبر 2012، القاضي بمنع موظفي الصحة العمومية من مزاولة أي نشاط مهني، مقابل أجر خارج المؤسسة العمومية المعينين فيها، استنادا إلى مقتضيات الفصل 15 من ظهير 1958، بمثابة قانون الوظيفة العمومية.

فرح دخلت الى المستشفى ليلة 18 شتنبر وتوفيت صباح 19 شتنبر، وقد تبث بما لا يدع أي مجال للشك أن الطبيب الموضوع رهن الخدمة الإلزامية ضدا على القانون والذي كان من الواجب ان يتواجد داخل المستشفى تحت نظام الحراسة قد أجرى عمليتين جراحيتين بمصحة خاصة يومي 18 و 19 شتنبر، وبالرغم من عدم قانونية هذا الفعل فإن السؤال الذي شغل الرأي العام وكل المتتبعين لهذا الملف هو هل تزامن اجراء هاتين العمليتين مع تواجد فرح بالمستشفى أم لا، وكان الرهان كبيرا على تسجيلات كاميرات المراقبة بالمصحة للجواب على هذا السؤال، قبل أن يتبدد هذا الأمل بمبرر عجيب وغريب وهو ان التسجيلات غير مقروءة؟؟؟ وبالرغم من ذلك ظل البعض متشبثا ببعض الأمل على اعتبار أن مدير المصحة الخاصة من بين شهود القضية، ومن يدري قد ينير العدالة بهذا الخصوص، الا أن السيد المدير كان له رأي اخر حيث التحق بقاعة المحكمة لمتابعة المناقشة بالرغم من ان القانون يمنعه من ذلك، ما دفع بالقاضي الى استبعاد شهادته، ليبقى اللغز قائما.
لكن الغريب في الأمر هو ان كشف حقيقة الأمر ليس بالأمر العسير، وانما الأمر بسيط جدا ما دامت توجد نيابة عامة تمثل المجتمع، ومادام الأمر يتعلق بعمليات توليد، وهوية من خضعن لها معروفة، والقانون يلزم تحرير شهادة ولادة أي مولود جديد، وهذه الشهادة تتضمن ساعة الولادة، وهذه الولادة يتم تسجيلها بمصالح الحالة المدنية. فحتى لو تم التلاعب بهذه الشواهد بالمصحة فإن الاطلاع على تصاريح الولادة بمكاتب الحالة المدنية كفيل بإبراز الحقيقة وكشف اللبس عن هذا السؤال المحير.

ليبقى اشكال اخر يتعلق بادعاء الطبيب بان اجراءه للعمليات الجراحية كان خارج وقت حراسته الإلزامية. فبالرجوع الى يوم 19 شتنبر وبالضبط الى المستشفى الإقليمي للا مريم نجد أن الحراسة أو الخدمة الإلزامية في هذا اليوم يتقاسمها الطبيبان بناني و بوزكري، وبالرجوع الى المصحة الخاصة نجد ان الدكتور بناني أجرى عملية في نفس اليوم (19/09/2019) بينما أجرت الدكتورة بوزكري عمليتين خلال نفس اليوم (19/09/2019) فمن منهما احترم وقت الزاميته او حراسته؟ والسؤال الأهم الذي ينبغي على السيد المندوب الإجابة عنه باعتباره ممثلا للوزارة بالاقليم هو هل تتوفر المصحات الخاصة بمدينة العرائش على أطر طبية خاصة بها وفق ما يقتضيه دفتر تحملاتها؟؟ أم تعتمد على أطر المستشفى العمومي؟ هل تتوفر على اختصاصي في التخدير مثلا؟؟

هل كانت حالة الضحية فرح تتطلب حضور الطبيب؟

تكرر هذا السؤال على امتداد جلستي المناقشة والمرافعة، وظل يتكرر بعدهما الى ان يشاء الله، وان كانت المحكمة قد قررت اللجوء الى الخبرة للحسم في هذا السؤال، فان هذا الأمر لا يمنع من البحث في هذا الموضوع من الجانب القانوني.

حيث أن الأمر محسوم بمقتضى قرار وزير الصحة رقم 11.456 الصادر في 6 يوليوز 2010 في شأن النظام الداخلي للمستشفيات المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5923 الصادرة بتاريخ 7 مارس 2011 وبالضبط القسم الفرعي الثاني المتعلق بالقبول في حالة الاستعجال حيث تنص المادة 44 على: ”يؤمر بالاستشفاء من طرف طبيب المستعجلات أو الطبيب الاختصاصي المكلف بالحراسة أو الخدمة الإلزامية ضمن نفس الشروط المنصوص عليها بالنسبة للقبول العادي (المادة 38: لا يتم أي قبول عادي للاستشفاء بدون قرار طبي متخذ من طرف طبيب يعمل بالمستشفى)

يمكن اتخاذ القرار بقبول الحوامل والمشرفات على الوضع من قبل القابلة أو من طرف الممرضة المولدة تحت اشراف الطبيب أو الاختصاصي في أمراض النساء والتوليد المكلف بالحراسة والذي يحرر لهذا الغرض وصفة طبية بالقبول”

فمن حرر الوصفة الطبية بقبول فرح في مستشفى للا مريم؟؟؟

يضاف الى هذا كله أن المرحومة فرح قصدت المستشفى الإقليمي للا مريم بناء على توجيه من مستشفى القرب القصر الكبير تحت علة ‘’ accouchement sur utérus cicatriciel’’ بمعنى ولادة على رحم متندب، وطريقة التعامل مع هذه الحالات، وحالة تمزق الرحم نوردها كما هي محددة في التدبير العلاجي المتكامل للحمل والولادة، دليل للقابلات والأطباء المعد من طرف منظمة الصحة العالمية، إدارة الصحة الإنجابية والبحوث.

المزيد من الأخبار المرتبطة
المزيد من الأخبار المنشورة بواسطة مدير التحرير
المزيد مقالات و آراء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إقرأ أيضا

حقوقيون: النهوض الإقتصادي للعرائش مرتبط بميناء المدينة

قالت مصادر حقوقية أن مدينة العرائش تعيش أزمة خانقة في التشغيل في ظل ارتفاع مضطرد لعدد المل…