الرئيسية المحلية مدينة العرائش من الإحتلال إلى التحرر الإسماعيلي

مدينة العرائش من الإحتلال إلى التحرر الإسماعيلي

14 ثانية قراءة
0

من مطالع القرن الخامس عشر إلى مطالع القرن السادس عشر الميلادي ( من احتلال سبتة 1415م إلى احتلال المعمورة 1515م ) اكتسح المد الإيبيري ( البرتغالي والإسباني) شواطئ المغرب وأصبح المغرب مجالا لتنافس الدول الكبرى؛ لموقعه من حركة الاقتصاد الدولي آنذاك، ولأهمية موانئه ومؤهلاته المعدنية وموقعه الإستراتيجي. فقد أصبح المغرب نقطة تقاطع بين الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تتطلع إلى استكمال سيطرتها على العالم الإسلامي، والأطماع الأوربية في المغرب.

وبالرغم من جهود الشرفاء السعديين في تحرير الشواطئ المغربية، وبالرغم من اندحار البرتغال في وادي المخازن؛ ظلت سبتة ومليلية وطنجة والبريجة ( الجديدة حاليا ) تحت النفوذ البرتغالي.

وبعد وفاة المنصور (1012هـ/ 1603م) تنازع أبناؤه الملك ( زيدان،المأمون، أبو فارس)، وتعددت الآمال في الاستيلاء على السلطة، واختل ميزان القوة المغربية، وبدأ المتنافسون على الحكم في المغرب يخطبون ود الصداقات الأوربية. وذهبت ريح الانقسامات المغربية في تقارير القناصل الأوربيين. وكانت العرائش محل أطماع الأسبان؛ أملاً في ترسيخ وجودهم في وجه الأتراك والهولنديين؛ ورغبةً في اتخاذها قاعدة استرتيجية ومركزا اقتصاديا لدعم خزينة الدولة الإسبانية، ومجالا لنصرة الصليب. وهكذا كانت هذه المدينة محط أطماع الإسبان والأتراك والهولنديين، وقلعة تصد للمد المسيحي في الغرب الإسلامي. ووجدنا المامون السعدي يقدم العرائش هدية لإسبانيا مقابل الاحتفاظ بالسلطة له. وبذلك ظلت العرائش تحت الاحتلال الأسباني من سنة 1610م إلى أن كان الفتح الإسماعيلي لها سنة 1689م.

فماذا عن مدينة العرائش من بدايتها إلى أن أصبحت خاضعة للنفوذ الإسباني، وكيف توالت محاولات تحريرها ؟

أولا: لمحة تاريخية عن العرائش قبل القرن 10هـ/16م

1- العرائش: اسمها وموقعها:

أ – وقفة مع« لفظة» العرائش:

تُطلق مادة”عَرْش” في اللغة العربية على: النبات والإقامة والارتفاع. ومن معاني العَرْش في العربية: عرش الرحمان، سرير الملك، البيت، المنزل والسقف.

والعَرْش ما يدعم به الكَرْم (العنب) من خشب ليقوم عليه، وتسترسل عليه أغصانُه. فيقال عَرَشَ الكرمَ: إذا رفعَ أغصانَه على الخشب. والعرش والعريش: ما يُستظل به.

ووردت لفظة «يَعْرِشُونَ» في القرآن مرتين:

الأولى: ﴿ودمَّرْنا ماكانَ يَصْنَعُ فرعونُ وقومُه وما كانوا يعرشون ﴾ ( الأعراف: 137)، من عَرَشَ: إذا بنى بناءً من خشب؛ فالعروش هنا هي الأبنية والبيوت من خشب، وتطلق العروش أيضا على الكروم وأشباهها.

الثانية: ﴿وأوْحى ربُّك إلى النحل أن اتَّخِذِي من الجبال بيوتاً ومن الشَّجر ومما يَعرشون﴾ (النحل:68) أي ما يبنون من البيوت، وقيل يعرشون الكروم.

ووردت لفظة معروشات مرتين في آية واحدة في القرآن وهي ﴿وهو الذي أنشأ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغير معروشات والنخلَ والزَّرْعَ مُختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه﴾ ( الأنعام من الآية:141).

والمعروشات البساتين، وتطلق على الكروم. قال عبد الله بن عباس: معروشات: ما انبسط على الأرض مما يفرش مثل الكروم والزرع والبطيخ، وغير معروشات: ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل المعروشات ما ارتفعت أشجارها. وأصل التعريش الرفع. والتعريش من عرَّش الكُروم: إذا جعل لها عروشاً. واعترش العْنبُ اعتراشا: إذا علا على العرش. (ووردت لفظة عروش بالجمع في البقرة: 259 والكهف:42 والحج:45، وتشير في مجملها إلى القرى الخاوية على عروشها، إشارة إلى دمارها وسقوط سقوفها، ووقوع الحيطان على السقوف .

والمراد بالعرائش في هذا السياق، جمع عريش، وهو ما يستظل به من شجر العنب، وما يدعم به هذا الشجر من خشب لتسترسل عليه الأغصان.

وأختم هذا الجانب اللغوي بالقول إن لفظة العريش تطلق أيضا على البيت. وعروش مكة: بيوت فقرائها؛ لأن هذه البيوت كانت بمثابة عيدان تنصب ويظلل عليها. ويطلق على مكة اسم العريش أيضا.

فهل كانت العرائش في بدايتها عبارة عن بيوت من عيدان تنصب ويظلل عليها؟ أم كانت مزارع للعنب مدعومة بأخشاب يتفيأ الناس ظلالها؟

والمرجح أن تكون قبائل بني عروس هي التي أطلقت عليها أول مرة اسم العرائش؛ لأن المنطقة كانت عبارة عن مزارع للعنب.

وذكر د. محمد المغراوي كاتب مادة«العرائش» في (معلمة المغرب)؛ أن سكان العرائش يَتبنَّوْن الفكرة القائلة « باشتقاق مدينتهم من ( العريشة) أي البيت من النبات وحطام الأشجار، وذلك أن أسلافهم أقاموا على ضفاف اللكوس فكانوا يضعون بها أدواتهم وقت تنقلهم عبر منعطفات الوادي والمرجات المحاذية له، يلجأون إليها أثناء فترة الراحة (…). وهي تسمية يرى المؤرخون أنها مستمدة من عرائش العنب».

ب – موقع العرائش:

تقع مدينة العرائش في الشمال الغربي ببلاد الهبط من المغرب الأقصى، على الضفة اليسرى من مصب نهر اللكوس، في المحيط الأطلسي، وتبعد عن طنجة بحوالي 90 كيلومترا جنوبا. وأمام العرائش من الضفة اليمنى توجد أطلال مدينة الليكسوس الفينيقية. ويرى الباحثون أن موقع العرائش كان محلة تابعة لليكسوس، أقامها الفينيقيون على مرتفع يقتحم المحيط الأطلسي، وقد تحولت هذه المحلة إلى مستعمرة رومانية بعد ذلك.

2 – العرائش من المرحلة الإدريسية إلى القرن 10 هـ/16م:

قبل القرن الهجري العاشر الهجري السادس عشر الميلادي لا توجد معلومات دقيقة لتاريخ المدينة، خاصة من الفتح الإسلامي إلى التاريخ المشار إليه، ويبدو أنها لم تكن محط أنظار الرحالة، بالرغم من موقعها في منطقة عبور بين المغرب والأندلس.

ومن أهم المصادر كتاب: (Larache العرائش: معلومات من تاريخها في القرن السابع عشر). تأليف: طوماس غارسيا فيغيراس- كارلوس رودريغيت خوليا.

وهو كتاب صدر باللغة الإسبانية سنة 1973 عن معهد الدراسات الإفريقية التابع للمجلس الأعلى للأبحاث العلمية في نحو 500 صفحة. وبالرغم من أنه اقتصر على تاريخ الفترة التي تم خلالها احتلال العرائش ( من 1610 الى1689م )، إلا أنه يقدم معلومات عامة عن مدينة العرائش،كما ذكرت د.أمينة اللوه التي قدمت هذه الكتاب في ثلاث حلقات ضمن «مجلة البحث العلمي»، وكان لها الفضل الكبير في التعريف بهذا الكتاب وتقديمه إلى القارئ العربي بوجه عام والقارئ المغربي بوجه خاص.

أ – المرحلة الإدريسية:

في سنة 213 هـ/828م، قسم محمد بن إدريس أقاليم المملكة بين أخوته، فكانت مدينة العرائش من ضمن ما آل إلى يحيى بن إدريس.

وقيل إن أحمد بن القاسم جنون، وهو من بقية الأدارسة، كان قد حكم العرائش سنة 337 هـ تحت طاعة عبد الرحمن الناصر (حكم الأندلس من 300 إلى 350 هـ)، إلى أن أخرجه منها جوهر الصقلي قائد جيش الفاطميين. ذلك أن دعاة الحركة الفاطمية بعدما أسَّسوا دولتهم الأولى على أنقاض دولة الأغالبة بأفريقيا ( تونس )، تطلعوا إلى السيطرة على قبائل شمال أفريقيا وبلغت جيوشهم المحيط الأطلسي في المغرب الأقصى.

ب – المرحلة الموحدية:

ذكروا أنه في هذا العهد أنزل يعقوب المنصور ( 595هـ/1198م) بالعرائش العرب الهلاليين فأصبحت قاعدة لهم، وأطلقوا عليها اسم العرائش.

جـ – المرحلة المرينية:

جاء في ( الاستقصا ) أنه في سنة 668هـ/1270م هجم النصارى على مدينة العرائش فخرَّبوها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها، ونهبوا أموالها، وعادوا إلى ديارهم سالمين غانمين؛ لأن السلطان يعقوب المريني كان مشغولا آنذاك بفتح مراكش[6].

3 – العرائش والبرتغال:

يبدو أنه منذ مطلع القرن الهجري التاسع بدأت الأنظار تتطلع إلى مدينة العرائش. ولما احتل البرتغاليون مدينة طنجة سنة 866هـ/1461م، وأصيلة سنة 876هـ/1471م، بدأت الأخطار تحيط بمدينة العرائش، وبدأ سكانها ينزحون عنها.

يقول الأستاذ إبراهيم حركات: «بدخول القرن التاسع الهجري والخامس عشر من الميلاد يبدأ عهد جديد في تطور الأحداث العالمية، فيتجه اهتمام الدول الأوربية إلى تقوية أساطيلها البحرية (…) ومن الطبيعي أن تكون الشواطئ المغربية الضعيفة الحماية، منذ القرن المذكور من المراكز الأولى التي اتجهت إليها أنظار البرتغال الذين كانت تداعبهم أحلام السيطرة الاستعمارية بفضل أساطيلهم القوية»[7].

وتوالت حملات البرتغال للاستيلاء على العرائش:

الحملة الأولى: بعد احتلال مدينة سبتة سنة 818هـ/1415م، انطلقت الحملة الأولى للسيطرة على العرائش سنة 820هـ/1415م، ولكن سرعان ماأندحروا وعادوا .

الحملة الثانية: قادها بدرو دوفيراPedro de vera) ) سنة 876هـ/1471م. وكان للناصر بن محمد الشيخ الوطاسي الفضل في إعادة الحياة إلى المدينة، وجعلها مركزا بحريا هاما في شمال المغرب.

الحملة الثالثة: وفي سنة 910هـ/1504م، احتلها البرتغاليون وقاموا بتعميرها إلى أن أخرجهم منها أحمد المنصور السعدي سنة 986هـ/1578م، إثر وقعة وادي المخازن[8].

ويذكر د. إبراهيم شحاته حسن في كتابه ( وادي المخازن ) أن سبستيان كان مشروعه هو الاستيلاء على مدينة العرائش؛ لموقعها الإستراتيجي في حركة الملاحة والتجارة المارة بالساحل الأطلسي للمغرب إلى غرب إفريقيا[9] .

4 – العرائش في كتاب مارمول: (إفريقيا):

ذكر مارمول أن مدينة العرائش كانت عامرة قبل أن تؤول مدينة أصيلة إلى المسيحيين؛ إذ أن سكانها هجروها خوفا من سطوتهم. ولاحظ أن مدخل النهر خطير جدا على السفن، وقال: «المدينة محاطة بأسوار تكتنفها سهول كثيرة، ومستنقعات يكثر فيها سمك الأنقليس ( النون )، والعديد من الطيور النهرية. وعلى ضفاف النهر غابات كثيفة مليئة بالأُسْد، وغيرها من الوحوش.

جل السكان فحَّامون، وأهم تجارتهم الفحم الذي كانوا ينقلونه على زوارق صغيرة ليبيعوه في مدينتي طنجة وأصيلة، عندما كانتا للمغاربة، ثم أصبحوا يبيعونه للمسيحيين في عهد السلم.

تُجنى كمية وافرة من القطن من الحقول المجاورة، ويصطاد العديد من الشابل في النهر.

وهناك ميناء صالح للسفن الصغيرة، حيث ينزل التجار المسيحيون بسلعهم الأوربية التي يحملونها إلى فاس أو إلى مكان آخر »[10].

ثانياً : العرائش والاحتلال الإسباني:

العرائش حلم إسباني اقتصاديا وسياسيا:

أ – العرائش موقع اقتصادي سياسي:

ذكر الوزان في كتابه (وصف أفريقيا )، وقد ألفه حوالي 1526م، أن مدينة العرائش خلت من أهلها مدة عشرين سنة، وأصبحت مهجورة إثر خضوع طنجة وأصيلة للبرتغاليين، ثم أعيد تعميرها وأصبحت مركزا تجاريا هاما[11].

ونظرا لأهمية موقعها الجغرافي، اتخذها تجار (جينوة) مركزا تجاريا، وانشأوا بها مصانع ومتاجر، وكان منافسوهم البندقيون قد اتخذوا من طنجة مركزا لهم، ثم إن العرائش قد أصبحت قاعدة للجهاد، فازدادت رواجا وعمرانا.

وفي هذه الفترة أصبح الأتراك يطمعون في الفوز بالعرائش، فاشترطوا على عبد المالك السعدي(1576-1578م)أن يسلمهم إياها، مقابل مساعدته على القضاء على أخيه المتوكل . وفي سنة 1517م رسا الأسطول العثماني بميناء العرائش، وأصبح شوكة في حلق البرتغال والأسبان؛ وهما الدولتان المتزعمتان للحملات المسيحية في الجهة الغربية ضد الإسلام ونصرة الصليب[12].

ب – العرائش حلم الإسبان:

بعدما تبخرت أحلام البرتغاليين إثر معركة وادي المخازن، وتحررت مدينة العرائش وبنى بها أحمد المنصور السعدي قلعة جديدة؛ أرادت أسبانيا أن ترث تركة البرتغال المتمثلة في الشواطئ المغربية، وأن تحقق حلما طالما داعب خيالها؛ وهو الحصول على قاعدة العرائش، ولم يكن لإسبانيا قاعدة إلا مدينة مليلية التي استعمرتها سنة 1497م.

وقد ظلت مدينة العرائش محط أنظار الإسبانيين، بل ظلوا يعتبرونها تساوي بمفردها مراسي المغرب بأجمعها.

وتتجلى أهمية هذا الثغر في نظر الإسبان، من الكلمة المأثورة عن الملك الإسباني فيليب الثاني ( 1527-1598م): «العرائش وحدها تساوي إفريقيا كلها»؛ باعتبار موقعها الممتاز الذي يسمح للمستولي عليها بمراقبة الساحل الغربي، والتحكم في المراكب الماخرة بأعالي البحار . وهذا يفسر اهتمام فيليب الثاني بالعرائش طوال أيام حكمه[13] .

2 – محاولات الاستيلاء على العرائش وعوامل التعجيل بذلك:

أ – المحاولات الإسبانية للاستيلاء على العرائش:

رغبة في تحقيق الحلم الذي ظل يراود إسبانيا، تعددت محاولات السيطرة على مدينة العرائش، نذكر من تلك المحاولات:

– المحاولة الأولى: كانت سنة 1575م حين فاوض فيليب الثاني عبد المالك السعدي في التنازل له على العرائش، مقابل مساعدته على القضاء على أخيه المتوكل، وجاءت معركة وادي المخازن سنة 1578م لنسف تلك المفاوضات.

– المحاولة الثانية: بعد أن ضم التاج الإسباني الممتلكات البرتغالية إلى ممتلكاته إثر وادي المخازن، حاولت إسبانيا أن تتنازل عن مدينة البريجة ( الجديدة حاليا ) مقابل الحصول على مدينة العرائش، لكن قوة احمد المنصور حالت دون تحقيق تلك الرغبة.

المحاولة الثالثة: رغبة منه في امتلاك العرائش، وخوفا من أن تحتلها قوات أخرى، أمر فيليب الثاني بإغلاق ميناء العرائش، وذلك بإغراق سفينة كبيرة هناك محملة بالأحجار.

ب – عوامل عجَّلت بالسيطرة على العرائش:

أصبح امتلاك العرائش يعني أمن إسبانيا مباشرة، فتركيا وهولندا، لاتخفيان أطماعهما في الاستيلاء على العرائش، ولهما خطورتهما على الدولة الأسبانية.

وفي سنة 1582م عرضت ملكة أنكلترا إيزابيل على أحمد المنصور معونة حربية، إذا عزمت أسبانيا على احتلال العرائش.

التجأ فيليب الثاني إلى المجاهرة بالعداء الصريح، فاستعمل محمد الشيخ والمولى ناصر، وهما من أبناء المتوكل السعدي، وكانا لاجئين بأسبانيا، للضغط على أحمد المنصور في قضية العرائش، ولكن دون جدوى[14].

وهناك عاملان ساهما في التعجيل بالاستيلاء على العرائش، وهما موت أحمد المنصور السعدي سنة 1012هـ/1603م، وتنازع أبنائه على الملك ( وهم زيدان، والمأمون، وأبو فارس). فقد اشتعلت الحروب الأهلية بين الإخوة، وبدأت أسرة السعديين تتفكك وتتلاشى فتزايدت أطماع الدول الأوربية في المغرب، وأصبحت القوات البحرية الإسبانية تترقب لحظة الانقضاض على العرائش، وتحقيق الحلم القديم.

ويلاحظ أن معظم أبناء المنصور، وهم يتنازعون أمر الحكم؛ راحوا يتزلفون إلى قادة الأسبان، مستعدين لتلبية مطالبهم، طمعا فيما يتلقونه من معونات وتأييد بعضهم على بعض[15].

3 – تسليم العرائش إلى الإسبان والخطة في ذلك

أ – تسليم مدينة العرائش:

حين تفوق زيدان السعدي (1012-1037هـ/1603-1627م) على أخيه المأمون، وراح يطارده في الشمال، اضطر هذا الأخير« إلى حمل أثقاله وعياله واللجوء إلى أسبانيا عن طريق العرائش فالجزيرة الخضراء فالبرتغال، ومعه والدته وأبناؤه الصغار وبعض قواده ( ويؤرخ تاريخ خروجه من العرائش بيوم 4 مارس 1605م). ثم تقرر نقله هو وحاشيته إلى كرمونة ( cormona) بالإقليم الأندلسي تحت حراسة حاكمها. وخصص له معاش يومي مستخرج من ضريبة الخمور »[16].

ومحمد الشيخ المأمون هذا، إنسان غريب الأطوار، ثار على والده أحمد المنصور سنة (1011هـ/1602م) وأشعل نار حرب أهلية مع أخوته، بعد موت أبيه، وظل سادرا في غيه حتى وجد نفسه في قبضة الأسبان يقدم إليهم العرائش، مقابل أن يُخَلُّوا سبيله، وينصروه على أخيه زيدان؛ ليحتفظ بعرش المغرب بمفرده .

قال صاحب (تاريخ الدولة السعدية) (مؤلف مجهول):« وهرب إلى النصارى، وباع لهم العرائش من أرض المسلمين»[17] .

وذكر القادري في ( التقاط الدرر) أن محمد الشيخ المأمون وقع في الأسر سنة 1017هـ/1608م، وهي السنة التي خرج فيها من بقي من المسلمين في بلاد الأندلس تحت حكم الأسبان[18].

ب – خطة تسليم مدينة العرائش:

حين لاحظت إسبانيا إصرار هولاندا على الاستيلاء على العرائش، ووجدت بعض المغامرين الفرنسيين يريدون السيطرة عليها؛ بدأت أسبانيا تمارس ضغوطها على نفسية المأمون وتحشد أساطيلها سنة 1608م.

وبدأت خطة تسليم العرائش على الشكل الآتي:

– تُنقل ذخائرُ المأمون وأمواله الخاصة إلى طنجة.

– يُنقل المأمون ومن معه إلى جزيرة باديس، ليصدر الأوامر من هناك، وينفذ خطة التسليم (نقل على ظهر باخرة برتغالية بتاريخ 20 فبراير 1610).

– الإبقاء على ولديه وثلاثة من أبناء قواده كرهائن، ثم يحملون مع الأسلحة والمصاريف اللازمة على متن المراكب البحرية المعبأة لاحتلال العرائش.

– وتحرك الأسطول الأسباني إلى ميناء العرائش في 14 يونيو 1610م، وجاءت قوات من أصيلة والقصر الكبير والقبائل المجاورة للمقاومة، ففشلت الحملة الأسبانية أمام صمود العرائش، وبقيت هناك سفينتان إسبانيتان ترابطان قرب ساحل العرائش.

– ضغط الإسبان على محمد الشيخ المأمون للخروج من باديس والانتقال عن طريق سبتة إلى القصر الكبير، لتسهيل تسليم مدينة العرائش. ولم يتاورد عليه من علماء فاس وأعيانها إلا القليل. ولتبرير فعلته الشنيعة استفتى علماء فاس،«مدعيا اضطراره لافتداء أولاده وحَشَمِه المرهونين في بلاد العدو»[19].

يقول المؤرخان الإسبانيان إن المأمون وجه خادمه اليهودي نتهان أوليت ( nathan ulet ) إلى جبل طارق؛ لانطلاقة الأسطول الأسباني نحو العرائش.

أرسل المأمون قواده إلى أهل العرائش لإفراغ المدينة من السكان، واستقبال السكان الجدد. وقد ذكر اليفراني في ( نزهة الحادي ) أن المأمون بعث قائده الجرني لإخراج سكان العرائش « فامتنعوا عن الجلاء عنها، فقتل منهم عدة، وخرج منها الباقون تخفق على رؤوسهم ألوية الذل والصغار وهم يبكون. ولما خرج منها المسلمون أقام بها القائد الجرني إلى أن احتلها النصارى، وذلك في رابع رمضان عام 1019هـ. ووقع في قلوب المسلمين من الامتعاض من أخذ العرائش أمر عظيم، وأنكروا ذلك أشد الإنكار» [20].

وقال صاحب (تاريخ الدولة السعدية) إن سكان العرائش وقفوا يبكون على مقابرهم، رافضين مغادرة المدينة، وراح خدم الشيخ المأمون إلى طنجة « يهنئون الكفار على سكنى العرائش، ومرت على المسلمين ذكرى عظيمة من دخول النصارى إلى العرائش من دون قتال على يد الشيخ ضاعف الله عذابه عليه»[21].

4 – الاستيلاء على العرائش ونهاية الشيخ المامون:

وأخيرا، دخل الأسطول الإسباني مرفأ العرائش، ونزل الإسبان على أرضه، ورفع العلم الأسباني فوق أبراج القلعتين، وفوق الشرفات، وعم الابتهاج صفوف النصارى بتحقيق الحلم الذي ظل يراودهم.

أطلقوا على العرائش اسم القديس سان انطونيو (San Antonio de Larache ) كما أطلقوا على الحصن البحري القديم اسم القديس سان انطونيو كذلك، وعلى الحصن البري، الذي بناه المنصور السعدي سنة 1578م، اسم قديستهم:NUESTA Senôra de Europa)).

ثم انصرفوا إلى تحصين قاعدة العرائش وتسويرها، وحفر الخنادق حولها، ووضعوا المدافع فوق الحصنين والأبراج. ودخلت العرائش تحت النفوذ الإسباني وأصبحت قاعدة عسكرية تعاقب على حكمها ثمانية عشر حاكما طوال عهد احتلالها ( نحو 80 سنة، وذلك من 1610 إلى سنة 1689م )[22].

وهكذا سلّم محمد الشيخ المامون السعدي – عام 1019هـ/1610م – مدينة العرائش إلى فيليب الثاني ملك إسبانيا، مقابل استرداد مُلْكه. فهل تحقق حلم الأسبان بتنازل الملك المغربي – المامون عليها؟

يقول المؤرخان الأسبانيان: كانت النتائج مؤسفة، فقد تحول النشاط الاقتصادي إلى ميناء المعمورة، وفقدت العرائش ميزتها البحرية، ولم يبق فيها لا تجار ولا بضائع ولا عمران.

«فطوال ثمانين سنة، والغزاة ( الأسبان) في عراك متصل من أجل البقاء، عراك في الداخل ضد الجوع والمرض والحرمان، وعراك في الخارج ضد المقاومة العنيفة والمستمرة»[23].

وكيف كان مصير محمد الشيخ المأمون؟

أقام بمحلة بجبل الحبيب بين طنجة والعرائش تحت حماية الإسبان، حاول أن يخفي فضيحته باستفتاء العلماء، فاستجاب له من خاف على نفسه، وفر جماعة منهم إلى البوادي. وهناك على نهر الخروب أقام معسكره، وكانت الإمدادات تصله باستمرار من أسبانيا إلى أن قتله المقدم محمد أبو الليف، المجاهد المشهور يوم 3 شتنبر 1613 م[24].

وذكر د. هاشم العلوي أن مسألة التنازل عن العرائش للاسبان سنة 1610م من أهم قضايا الدفاع عن التراب الوطني التي طرحت على المغاربة في القرن 11هـ/17م، وقد كانت بداية نهاية الدولة السعدية. وقضية العرائش شغلت جميع الكتاب المغاربة في المرحلة المذكورة بجميع مستوياتهم واتجاهاتهم ومشاربهم[25].

ثالثا: وضع العرائش وآثار تسليمها إلى العدو

1 – وضع العرائش بعد استيلاء الإسبان عليها:

دخلت القوات الإسباية مدينة العرائش يوم 20 نوفمبر 1610م وقد رفع العلم الإسباني فوق الشرفات، وعم الابتهاج بتحقيق حلم إسبانيا؛ فأقيمت الأسوار وأحيطت بالخنادق، وكانت الأسوار على شكل مثلث بينها ثلاثة أبواب: الباب البراني وباب الميناء وباب البحرية.

وداخل القاعدة يوجد حي القصبة وبرج اليهودي، وأقيم دير مكان المسجد القديم ودار الحاكم ومساكن ومكاتب ومتاجر وباقي المصالح.

وخارج القاعدة حصن الجِنَوِِيِّين ( نسبة إلى تجار جينوة الإيطاليين ) كما توجد عين تسمى «العين الخارجية» تزود القاعدة بالماء. وفي الضواحي توجد الغابة والبساتين ومملحات يعمل فيها السكان القاطنين قرب العرائش. وتستمد الحامية من الغابة بعض حاجاتها.

وقد تعاقب على العرائش ثمانية عشر حاكما طوال الاحتلال الإسباني ( نحو ثمانين سنة ). وجنود الحامية أكثرهم من المحكوم عليهم بالنفي، فهم يقضون مدة العقوبة بالعراش، ويعيشون في شظف العيش؛ فيلتمسون الفرار ليتخلصوا من العذاب؛ إما إلى إسبانيا أو إلى داخل المغرب. ويتظاهر بعض الفارين بإسلامهم ليجدوا مبررا، ويلقوا ترحيبا من الأهالي[26].

ولاحظ المؤلفان الإسبانيان أن نتيجة احتلال العرائش كانت جد مؤسفة للإسبان؛ إذ تحولت سفن القراصنة إلى مصب نهر سبو، وتسابقت الدول إلى امتلاك ميناء معمورة، ففقدت العرائش ميزتها البحرية، ولم يبق بها لا تجار ولا بضائع ولا عمران. فتم الاستيلاء على ميناء المعمورة في 3 غشت 1614م .

وذكرا أن المغاربة لم يتركوا القاعدة، طيلة احتلالها، تنعم بالراحة والاستقرار، ولاحظا أن الهجمات على المحتلين لم تنقطع من طرف الجيوش المغربية النظامية وغير النظامية[27].

وظل العراك متصلا مدة ثمامين سنة، «عراك في الداخل ضد الجوع والمرض والحرمان، وعراك في الخارج ضد المقاومة العنيفة».

وهكذا ظل الجنود الإسبان طوال ثمانين سنة تُحدق بهم الأخطار الجسيمة من جراء الحصار على مدينة العرائش. وحين يتجاوزون أسوار المدينة، بهدف جمع الحطب أو اختطاف المواشي وجلب الحبوب والثمار لسد حالة الجوع؛ كانوا يتعرضون لكمائن تُنصَبُ لهم، ويتكبدون خسائر فادحة.

ويصف المؤلفان المذكوران ضائقة العيش داخل القاعدة. «لجنود مرضى يلبسون الحُصُرَ، وينامون على الأخشاب، ويمشون حفاة، لا يجدون ما يقتاتون به إلا الأعشاب المطبوخة بماء البحر، لفقدان الملح من القاعدة»[28] .

2 – من آثار تسليم العرائش إلى الإسبان:

كان من نتاج تسليم مدينة العرائش إلى الإسبان ما يلي:

أ – ابتهاج إسبانيا باحتلال العرائش:

لما تسلمت إسبانيا مدينة العرائش شرع الجنود في تحصينها وتسويرها، وحفر الخنادق حولها، «وأقيمت الصلوات والزينات والأفراح، ونظمت الاستعراضات ابتهاجا بانتصار المسيحية في جبهتين: الداخلية بإتمام طرد الموريسكوس، والخارجية لاحتلال العرائش».فقد أحسّوا أنهم

سيطروا على موقع إستراتيجي على المحيط مكنهم آنذاك من التحكم في القرصنة الدولية.

أمّا في المغرب فقد عَمَّ الاستياء أوساط العلماء وعموم الشعب، وعجز الأمراء السعديون عن مواجهة الغزو الأجنبي، فانطلقت حركت الجهاد الشعبي في المغرب لاسترجاع الثغور المغربية، ومن بينها مدينة العرائش.

ب – تضليل العلماء ومحنتهم:

لقد أراد المامون السعدي أن يُضلل العلماء باستفتائهم في شأن تسليم مدينة العرائش، وأن يرغمهم على تزكية فعلته الشنيعة؛ فادعى أنه أضطر إلى افتداء نفسه وبنيه من قبضة الإسبان بتنازله على مدينة العرائش لهم. وقد اتخذ المامون هذا الاستفتاء خوفا من الفضيحة وإنكار العامة والخاصة عليه، كما قال اليفراني.

وتعرض العلماء لمحنة كبيرة نتيجة هذا الاستفتاء. فقال نعم من خاف على نفسه، وهرب جماعة من الفتوى كأبي العباس أحمد المقري صاحب (نفح الطيب)، كما هرب جماعة من علماء فاس للبوادي، ووقفت جماعة في مواجهة تسليم العرائش بالقول والعمل[30].

ج – تَدَمُّرٌ شعبي عام لدى المغاربة:

بتسليم العرائش إلى إسبانيا حصل امتعاض شعبي عام لدى المغاربة. فقائد المأمون أخرج سكان العرائش قسراً، بعد أن امتنعوا عن الجلاء عنها.«فقتل منهم عدة، وخرج منهم الباقون تخفق على رِؤوسهم ألوية الذل والصغار وهم يبكون. ولما خرج منها المسلمون (…) احتلها النصارى في رابع رمضان المعظم عام تسعة عشر وألف، ووقع في قلوب المسلمين من الامتعاض من أخذ العرائش أمر عظيم، وأنكروا ذلك أشد الإنكار»[31].

د – سقوط هيبة الأمراء السعديين:

وبسقوط مدينة العرائش في أيدي الإسبان؛ سقطت هيبة الأمراء السعديين، وساء المغاربة أن يحتمي سلطانهم بأعدائهم، ويتنازل لهم عن قطعة من التراب المغربي، وحتى ابنه عبد لله لم يهتم برجوع والده من إسبانيا، ولم يذهب إلى زيارته بباديس، بل تزعم معارضة والده، ونعته بالخيانة[32].

وبتسليم العرائش اتضحت خطورة الانقسامات والحروب الأهلية التي فتتت الوحدة المغربية، كما اتضح كذلك فشل الدولة السعدية في الدفاع عن حوزة الوطن، والعجز عن مواصلة الجهاد.

هـ – ظهور الحركات الجهادية في أوساط الفقهاء والمتصوفين والمجاهدين:

كان من ردود الفعل المباشرة نتيجة التدمر السائد في أوساط الشعب المغربي آنذاك، أن تَنادَى الناسُ بالجهاد ودفع الاستعمار الإسباني.

ولوحظ «أن الشريف أحمد بن إدريس الحسني قد أنكر تسليم العرائش، ودار على مجالس العلم، ونادى بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش، فانضاف إليه أقوام وعزموا على التوجه لذلك»[33].

وجاء في كتاب (الزاوية الدلائية)، للمرحوم د. محمد حجي – رحمه الله – ( – 2003 م)، أنه لما عزم المامون على تسليم العرائش إلى النصارى بعث الحافظ أحمد بن أبي المحاسن الفاسي إلى الشيخ أبي بكر الدلائي يستشيره؛ فأشار عليه بالخروج[34].

وقد أفتى أبو حامد محمد العربي بن الشيخ أبي المحاسن بوجوب الجهاد لطرد الأجانب من الثغور؛ ولو مع عدم وجود الإمام؛ تأيدا للمجاهد العياشي. ومما ورد في هذه الفتوى الطويلة قوله:«ولا يتوهم متوهم أن ترك مدائن المسلمين في أيدي الكفرة يدل على عدم الوجوب؛ لأن ذلك من تقصير الملوك. وهم بذلك في محل عصيان، لا في محل الاقتداء بهم والاستنان. ولا فرق في الحكم بين ما أدركنا زمن أخذه كالعرائش والمعمورة (…) وبين ما لم ندركه كسبتة وطنجة؛ لأن الوجوب متعلق بالمسلمين لا بقيد زمان ولا مكان »[35].

رابعا : الحركات الجهادية لاستعادة العرائش

لم يقم الأمراء السعديون بالجهاد المطلوب في تلك الحركات الجهادية، وقام بذلك الدور الفقهاء والمتصوفون والمجاهدون، وكان للمجاهد العياشي دور هام في ذلك الجهاد.

1 – موقف الأمراء السعديين من استيلاء الإسبان على العرائش:

كان احتلال العرائش، وما أشاعه في نفوس المغاربة من تدمر واستنكار؛ من الأمور التي دعت أبناء المنصور وحفدته إلى الجهاد. فظهرت منهم محاولات يائسة، كان من أهمها:

– محاولة عبد الله بن الشيخ المامون (1603 – 1610م) أن يستنفر الناس لمحاربة الإسبان بالعرائش، وإخراجهم منها[36] .

– كما حاول زيدان السعدي ( 1603 – 1627م) الحصول على مساعدات عسكرية من تركيا لمحاربة الإسبان، لكن السفن المغربية المتجهة إلى استنبول حوصرت قرب الشواطئ المغربية.

– وحاول زيدان أيضا تأسيس أسطول حربي اعتماداً على هولاندا، فأغرقت إسبانيا القطع الحربية الثلاث التي حصل عليها المغرب.

– والوليد بن زيدان (1631 – 1636م) فكر بدوره في تنظيم عمليات الجهاد، ولم يفعل شيئا.

– ويذكر المؤرخان الإسبانيان أن الصراع بين عبد الله ومحمد زغودة ابني محمد الشيخ المامون بأرض الهبط، بنواحي مدينة العرائش، كان حول مدينة العرائش؛ فكان يتربص كل منهما بها. وكان محمد زغودة خاصة يناوشها باستمرار( تولى الحكم شهرا واحدا خلال سنة 1619م).

وهكذا عجز الأمراء السعديون عن مواصلة الجهاد، وبدأوا يتوددون إلى الأجانب. ولاحظ د. عبد اللطيف الشاذلي «أن العمل الجهادي الذي كان من المنتظر أن تقوم به السلطة السعدية، لم يخرج عن حيز الإعداد (…) ولم تقف سلبيةُ أبناء المنصور عند حد التوقف عن الجهاد؛ بل طغت على علاقات بعضهم مع الأجانب صفة المهادنة والتوادد (…) ويُعطي موقف الشيخ المامون من قضية العرائش المثال النموذجي لهذه الحالة »[37]).

ويمكن القول إجمالا إنه منذ موت أحمد المنصور السعدي سنة 1603م، إلى بداية ظهور الدولة العلوية خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر؛ ساد الاضطراب في ربوع المغرب، وسعى أبناء المنصور وحفدته إلى تثبيت نفوذهم بكل وسيلة؛ فظهر عجزهم، وذهبت ريحهم، واختلت موازين السلطة على أيديهم. فشاركهم في الحكم شخصيات جديدة نزعت عنهم الصلاحية الشرعية في تدبير شؤون المغاربة الدينية والدنيوية، كما تطلع كثيرٌ من المغامرين إلى الاستيلاء على السلطة. وقد تكاثرت الزوايا في المغرب وتعدد نفوذُها. وكان أشهرها في القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي؛ أربع زوايا: الزاوية الدلائية والزاوية الناصرية والزاوية الفاسية والزاوية العياشية.

وهكذا تقلصت القوة الاقتصادية بجوانبها العسكرية والمالية والتجارية، وانهار اقتصاد السكر والذهب والتجارة الصحراوية التي أقام أحمد المنصور عليها عظمته. وفي ضوء هذه العوامل توقف الجهاد، وشاع الظلم والفساد، وتعسف أبناء المنصور وحفدته في استغلال السلطة، واستهانوا بالتراب الوطني.

ونتيجة لهذا كله، ظهرت زعامات جديدة تتمثل في شخصيات دينية من أهل التصوف، من أمثال الحاحي وأبي محلي وأبي بكر الدلائي (…) وظهر عدد من المجاهدين مثل آل النقسيس وآل غيلان وأولاد أبي الليف (…).

«في الوقت الذي يبدأ فيه أبو محلي في القضاء على السلطة في مراكش؛ يتكلف أبو الليف باغتيال المامون، وفي أقصى سوس يدعو الحاحي أتباعه إلى الاستعداد للجهاد»[38].

2 – حركة ابن أبي محلي:

ففي السنة التي تم فيها تسليم العرائش ( 1019هـ / 1610م )؛ ثار ابن أبي محلي ( أحمد بن عبد الله القاضي التاساوتي، المشهور بابن أبي محلي السلجماسي )، ووقف في وجه الحكام السعديين المتنازعين حول السلطة. واعتبر ابن أبي محلي تعامل المامون مع الإسبان، وتسليم العرائش لهم عصياناً، كما اعتبر القيام على المامون واجباً.

وحين سقطت العرائش، أنشد ابن أبي محلي قصيدة تفجع فيها على سقوطها، وراح يستنهض الهمم للجهاد، ولتخليصها من أيدي المحتلين الغاصبين.

ولهذه الغاية الجهادية ادعى النسب العباسي، واعتبر نفسه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، واتخذ المهدوية مطية إديولوجية لثورته[39]. وإذا كانت ثورة ابن أبي محلي «تندرج ضمن مَد ثوري عمَّ البلاد، وسعى إلى هدم بُنَى المخزن السعدي الاستبدادية»، كما يذهب إلى ذلك د. عبد المجيد القدوري؛ فإن تسليم المامون السعدي العرائش إلى إسبانيا كان أهم تبرير لقيام ثورة ابن أبي محلي[40]. واستطاع ابن أبي محلي أن يُقنع العامة والخاصة بدعوته، وأن يكون له حضور قوي في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغربة. وذكر الناصري أن ابن أبي محلي أصبح يُكاتبُ رؤساء القبائل؛ يأمرهم بالمعروف، ويحضهم على الاستمساك بالسنة، ويُشيعُ أنه الفاطمي المنتظر. ولما بلغه ما فعل الشيخ المامون السعدي من إجلاء المسلمين من العرائش، وبيعها للعدو؛ استشاط غضباً، وأظهر غضبَ لله لا لشيء سواه، فخرج يؤم سلجماسة[41].

وقد انتقل من سلجماسة سنة 1611م عبر الأطلس الكبير، وبدأ يتطلع إلى البحر؛ مُعلناً حرباً تحريرية للمدن، لكن الحاحي وقف في وجهه بإيعاز من زيدان السعدي؛ فقُضيَ على حركته، ومات مقتولا سنة 1022هـ / 1613م.

وذهب المؤرخون إلى أن حركة ابن أبي محلي كان من آثارها قتل المامون السعدي . فقد جاء في (نزهة الحادي) أن قتلَه كان بإشارة الثائر أبي العباس أحمد بن عبد الله المعروف بأبي محلي، وأنه كتب للمقدم أحمد النقسيس والمقدم أحمد أبي الليف يحضهما على قتله؛ فقتلوه، وانتهبوا ماله[42].

3 – الحركة العياشية:

العياشي هو أحد الزهاد المجاهدين، نهض لمقاومة الاستعمار، وتحرير الثغور المغربية، حين عجزت الدولة السعدية عن الجهاد والحفاظ على المغرب. وقد بدأ العياشي ينظم حملات جهادية ضد المعمورة والعرائش في الفترة الممتدة بين 1622 و 1632م، وأصبح خلالها رمزاً للجهاد. وقد وجهه شيخُه عبد الله بن حسون إلى دكالة سنة 1604م لمواجهة الوجود البرتغالي في البريجة، وأقام هناك إلى حدود سنة 1615م، وبعد هذه السنة أقام بسلا إلى وفاته سنة 1641م.

وقد أعلن العياشي الجهاد، وعمل على إجلاء الإسبان من المعمورة والعرائش، واتسع نفوذه، وأصبحت القواعد الإسبانية متخوفة من ظهوره أمام أسوارها.

وقد اشتبك العياشي مع المستعمرين الإسبان والبرتغال في الثغور المغربية، «كانت خسائر العدو في الأرواح والسلاح في هذه المواقع فادحة، فقد اتبع العياشي في حربه هذه نظام العصابات، فهو يتنقل في حركاته الجهادية بين المناطق المختلفة، يتربص بالعدو، أو يُرسل الجواسيس ممن هم موضع ثقة المستعمرين؛ فيغرر بهم»[43].

وكان للعياشي معارك مع الإسبان، فقد شن غارة إنذارية على ميناء العرائش وأسر بعض المراكب، وقتل جنودا وأسر منهم آخرين[44].

وذكر أبو إملاق في كتابه (الخبر عن ظهور الفقيه العياشي بهذه البلاد وذكر سبب قيامه بوظيفة الجهاد)أنه كان للعياشي غزوتان للعرائش: الأولى كانت في رجب 1040هـ / فبراير 1631م، حين «صرف همته للتضييق على نصارى العرائش وشن عليهم الغارات، وكمن لهم بالمسلمين في الغابة نحواً من سنة (…) فخرجوا بغثة إلى مشاربهم، فقام معهم بالمسلمين، وأحاطوا بهم من كل جانب، ومكن الله له ولمن معه من المسلمين من رقابهم، فلم يفلت منهم أحد ، في ساعة واحدة طحنوهم طحن الحصيد »[45].

ويذكر المؤلفان الإسبانيان أن العياشي قد أوقع جنود حامية الإسبان في كمين بعد خروجهم إلى الغابة بهدف الصيد وجمع الحطب ( 436 عسكري ما بين قتيل وأسير، ولم يبق في القاعدة إلا حوالي 200 رجل ). وانتشرت أخبار الكارثة في إسبانيا، وزرعت الهلع في النفوس، وتوالت رسائل الاستغاثة لتقديم الإمدادات والنجدات العسكرية، وكانت قوات العياشي رابضة حول العرائش ترشق أسوارها بالنار ليلا [46].

وقد كتب العياشي إلى السلطان الوليد بن زيدان بمراكش يخبره فيه عن ثغر العرائش، قائلا له: «اعلم أنهم قد زادوا في البناء، وصرفوا إلى تحصينه وجه الاعتناء، وقد كتب الله سبحانه وتعالى في أواسط رجب غزوة أسفر فيها وجه الإسلام مشرقَ الجبين، متهلل الصفحات بالنصر المبين، خرج من ثغر العرائش ما يزيد على الخمسمائة كافر، فما أفلت منهم أحد، ولا رجع منهم راجع إلى ذلك البلد »[47].

وكانت الغزوة الثانية للعرائش حين كمن بوادي العرائش، ولما خرج الجنود الإسبان من القاعدة أحاط بهم جيش العياشي وألحقوا بهم هزيمة نكراء، «ولما سارت بهذه الوقائع الرفاق، وشاع خبرها في النواحي والآفاق؛ كتب محمد بن أبي بكر الدلائي إلى العياشي رسالة يهنئه فيها بغزو العرائش ، ويعلمه فيها بفرحه وسروره بما أيد به الله المسلمين على أعداء الله الكافرين من إعلاء كلمة الله (…) وكتب إليه أيضاً (…) أبو عبد الله (…) محمد بن أحمد المكلاتي يمدحه ويمدح المسلمين الذين معه، على ما أوقعوه بنصارى العرائش أعادها الله دار إسلام نثراً وشعراً …

ومما قاله:

ثغر العرائش ضاحك مستبشر جذلان عن هدي الوقائع مُخبرُ »[48].

وهكذا جاهد العياشي أربعين سنة، وحاول طرد النصارى من الثغور المغربية، كما حارب المورسكيين الذين اتهمهم بالتعاون مع الإسبان، وهاجم البرتغال بالعرائش كما هاجمهم بالبريجة ومعمورة وطنجة.

والملاحظ أن الزعامات الوطنية التي ظهرت في النصف الأول من القرن السابع عشر لم تتوحد لمواجهة العدو، وظلت جهودها مشتتة. وفي هذه الفترة المضطربة حدث صراع بين محمد الحاج الدلائي والمجاهد العياشي كان من نتائجه قتل العياشي من طرف جماعة من الدلائيين جنوب القصر الكبير بقبيلة الخلط في 30 أبريل 1641م/ 1051هـ. فاحتفلت القواعد الإسبانية بالمغرب بنهاية هذا العدو المخيف.

وقال الناصري في (الاستقصا) «لما قُتل أبو عبد الله العياشي؛ فرح النصارى بمقتله غاية الفرح، وأعطوا البشارة على ذلك، وعملوا المُفرحات ثلاثة أيام…وحَدَّث رجل بالأسكندرية أنه رأى النصارى يومئذ يفرحون ويُخرجون أنفاضهم ( يُطلقون المدافع )، فسألهم، فقالوا له: قُتل سانطو المغرب »[49].

يقول د. إبراهيم حركات: «لولا العياشي والدلائيون لفَقَد المغرب كل موانئه على الأقل » [50].

4 – حركة الخضر غيلان:

وهو من أتباع العياشي، أبو العباس الخضر غيلان الجرفطي، ظهر بالهبط واحتل القصر الكبير سنة 1063هـ، وخضعت قبائل الغرب لنفوذه. وقد اتخذ القصر الكبير مركزاً لنشاطه، وجعل من أهدافه الاستيلاء على القواعد المسيحية، وعلى العرائش بصفة خاصة.

وقد تكتلت القبائل حوله، وهاجمت قاعدة العرائش تحت قيادته بتاريخ 28 ماي 1655م، وضربوا عليها الحصار، واتجهت محاولاتهم لفتح ثغرات في السور، فأمر حاكم العرائش بنصب سائر المدفعية أمام تلك النقطة، بينما يقوم هو بهجوم خارجي مفاجئ.

وفي 9ماي 1657م تعرضت العرائش، مرة أخرى، لهجوم عنيف من قوات الخضر غيلان، ولم تنج القاعدة من هذا الحادث إلا بمعجزة، كما يقول المؤلفان الإسبانيان[51].

وحين امتد نفوذ غيلان إلى سائر قبائل جبالة والهبط بإضافة أصيلة والقصر الكبير وتطوان؛ هاجم العرائش سنة 1666م. كما حاول أن يصنع سلالم عديدة للهجوم بها على أسوار العرائش، لكن الخبر نقله أحد الأسرى الإسبان؛ ففشلت تلك المحاولة.

وكانت محاولة أخرى لاقتحام المدينة بواسطة قوارب إلا أن باخرة وقفت لهم بالمرصاد، ولم يتمكنوا من اجتياز باب البحرية. فانهزم غيلان أمام العراش وسقط أخوه، حاكم تطوان في المعركة، وأثرت هذه الهزيمة على نفوذه في الشمال، وأضعفت مركزه العسكري[52] .

خامسا: العرائش والفتح الإسماعيلي

1 – العرائش في بداية العهد العلوي:

منذ سنة 1666م انتهت الفوضى التي ميزت الفترة الأخيرة من عهد السعديين، وبدأ المغرب يتوحد تحت قيادة المولى الرشيد العلوي، وبدأت المعمورة والعرائش تتوجسان وتتأهبان، وبدأت التعزيزات تصلهما باستمرار، في انتظار هجوم محتمل. وبدأت الشائعات تتوالى؛ من ذلك أن جاسوسا إسبانيا كان يعيش في فاس استطاع أن يُنذر حاكم العرائش بأن المولى الرشيد أخذ يحشد جيشاً عظيما قوامه مائة ألف جندي فيه كثير من الأتراك والمورسكييين وفيه مهندسون نصارى وغيرهم، وأن هدفه هدم معمورة، وإذا فرغ منها زحف على العرائش .

ومات المولى الرشيد سنة 1062هـ بمراكش، وبقيت القاعدتان المعمورة والعرائش تحت النفوذ الإسباني.

وتولى المولى إسماعيل فقضى ست سنوات في حل المشاكل الداخلية، ومنذ 1680م أخذت إشاعات تروج لاحتمال هجوم متوقع من المولى إسماعيل على القواعد الإسبانية[53] .

2 – فتح مدينة العرائش:

جاء في روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل الشريف لأحمد بن محمد الشريف العلوي – كان حيا زمن السلطان المولى إسماعيل – : « ولما تمهّدت البلاد له نصره الله ودانت له الرقاب، وخمدت نار الثوار (…)؛ توجّه بكليته إلى فتح البلاد التي أغار عليها العدو الكافر، وأخرجوا المسلمين منها»[54] .

فاتجهت عنايته لفتح الثغور المغربية؛ ففتح ثلاثة منها هي مهدية [ يوم السبت 12 ربيع الثاني عام 1092هـ/ 3ماي 1681م] وطنجة [ يوم الأحد 1 ربيع الثاني عام 1095هـ/ 16 أبريل 1684م] والعرائش [ يوم الأربعاء 18 محرم عام 1101هـ/ 18 أكتوبر 1689م]، وبقيت سبتة ومليلية والبريجة.

وذكر أحمد بن محمد الشريف العلوي(وكان حيا زمن السلطان المولى إسماعيل) – روايةً كما يقول عن الثقات العدول –

إن حصار العرائش دام ثلاثة أشهر ونصف، وتم وضع البارود تحت أسوارها بعد أن تم التسرب عبر حفائر، وبعد أن تهدمت الأسوار دخل الجنود « فوجدوا سوراً من العُود، فكان الحرب بينهم عليه سجالا، ثم بعد ذلك فرّ العدو إلى البساتين، فأقاموا بها يوما وليلة، فدخلهم الرعب في الحين، فخرجوا منها أذلةً صاغرين. وكان عدد نصارى العرائش قبل الاستيلاء عليهم ثلاثة آلاف ومائتين، وحين ظفروا بهم أسروا منهم ألفين وقتلوا منهم اثني عشر عشرة ومائة، ووجدوا فيها البارود والعُدّة ما لا يُحصى كثرةً (…).

فحلّ بالكفار لأجل فتح العرائش ندامةً وحسرةً، فدخل جميعَهم الرعبُ برّاً وبححراً؛ إذ دخلها المسلمون عُنوةً وقَهراً، وكان فتحها يوم 18 محرم عام 1101هـ»[55].

وقيلت قصائد في هذا الفتح منها قصيدة عبد الواحد بن محمد بوعنان ( – 1106هـ)، منها قوله:

ألا أشــر فهــذا الفتـح نــــور بعين الحــق قد حرس الثغور

وطيرُ السعد نادى حيث غنّى قد انشرحت بفتحكم السرور

إلى أن قال:

لقد كان الملوك فساومــوها ورامُهــا فبـان لهــا نفــور

فلما جئتهــا انقــادت وقالــت إليك يحق مولانا المصير[56].

3 – من آثار هذا الفتح:

أ – وقوع نزاع في حكم غنيمة العرائش: ألف في شأنها قاضي مدينة مكناس أبو مدين السوسي كتابا سماه: ( السهم الرائش في حكم غنيمة العرائش).

ب – استفتاء المولى إسماعيل لعدد من علماء العصر في موضوع صحة الأمان الذي أُعطيَ لنصارى العرائش عند فتحها. فقد طلبوا الأمان، فاشترط عليم السلطان أن يستسلموا للأسر، ويُعطى السراح لمائة منهم حسب اختيارهم، فهرب منهم نحو خمسمائة في البحر. وممن أجابوا في مسألة الأمان أبو عبد الله محمد بومدين السوسي قاضي مكناس، واليوسي الحسن بن مسعود[5

المزيد من الأخبار المرتبطة
المزيد من الأخبار المنشورة بواسطة مدير التحرير
المزيد المحلية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إقرأ أيضا

وزارة التعليم تفتح باب ترشيحات الأحرار لاجتياز امتحانات نيل شهادتي الابتدائي والإعدادي

أعلنت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، قطاع التربية ال…