الرئيسية المحلية محمد الياشيري : قفشات من صخب الصبا – عاشوراء

محمد الياشيري : قفشات من صخب الصبا – عاشوراء

0 ثانية قراءة
0

بقلم : محمد الياشيري

أن تستيقظ قبل الشروق وتملأ القلاليش بالماء، ويكون عددها مناسبا لعدد موتى العائلة السابقين، وتتصدق بها على المارة ملتمسا شربها والدعاء مع المعني بها من المتوفين، تكون قد أديت أحد أهم الطقوس التي ينبغي للعائلة أن لا تفرط فيها خلال صباح يوم العاشور.. طقس غريب لكنه واجب.. هذا قبل أن تعود وتأخذ لعبتك التي باتت عند وسادتك لتفرح بها وتتباهى بمميزاتها خارج البيت أمام أقرانك الذين يفعلون مثلك. معلنين الانخراط في شوط طويل من اللعب ينتظره الجميع بشوق كل عام.

كانت اللعبة بسيطة لكنها كانت جميلة وتفي بالغرض، أغلبنا كان يميل إلى الخفيفة منها، المستعملة في لعب أخرى (مثل لعبة البوليس والقمارة )كمسدسات المياه وبنادق الفلين والتي تحمل بسهولة إلى جانب الكتب في حقائب الدراسة وآخرون يستأثرون بالهارمونيكات والنايات والطبيلات ليحيوا بها سهرات الأيام القادمة بالعزف والتطبيل في تعبير عن الفرح والاحتفاء بالموسم .. أما المحظوظ منا فهو من يظفر ببالون البُوفّة. لأن بواسطته سيتمكن من الظفر بقلوبنا طيلة الشهور القادمة إلى أن تنتهي صلاحية هذا البالون… مع مرور السنوات إضافة إلى لعبنا الفردية الخاصة، صار البالون تفكيرا جماعيا وصرنا نشترك في شرائه كل عاشور.

ذكريات اللَّعِب خلال مراحل الصبا وحلاوة تذوق أنواعه وأشكاله من غير ذكر محطة عاشوراء. هو بمثابة نكران لجزء راسخ من زمن طفولتنا الصاخبة التي لم تكن لتُدْرِك غاية الاحتفال، وذروة الاستمتاع خلال كل الفصول إلا في موسم الفرح هذا.. فرغم كون هذه الأيام عند بعض الفئات في بلاد أخرى مرتبطة بالحزن الشديد لكونها تُذكِّر بأحداث حزينة في تاريخ العرب والمسلمين، فإن بلادنا بكبيرها وصغيرها تعيش في هذا الموسم عكس ذلك، وتجعل منه مناسبة فرح للكبار، وسرور وترويح على الصغار.

سبعة أيام من قبل يبدأ الإعداد عندنا، موقع النوّالة محفوظ من زمن، فقد سبقنا إلى تعيينه أجيال سلّم الأول للذي تلاه مشعل الاحتفال حتى آلَ إلينا، وصار كموقد المعبد الذي يحتضن طقس إشعال النار كل عام، يتم بناؤها بواسطة أغصان وأوراق الأوكاليبتوس وترصيصها بحشائش الفرسيونة الكثيفة، لم يكن يسمح خلطها بمواد أخرى كالنباتات الشوكية الضارة والعجلات الملوثة. فالغاية هي تأدية طقس موروث وليس إضرام نار عظيمة وتلويث الفضاء، الأيام السابقة عن موعد إحراقها ليلة الشعّالة كافية لجفاف كل مكوناتها وجعلها قابلة للاشتعال بكل يسر.

قبل ذلك تظل شامخة في موضعها وسط الحي مشكلة مأوى مشاعا بين جميع الأطفال وخلال موعد الإشعال يتم الحرص على تأخير ذلك ما أمكن حتى ينتهي هذا الطقس بالأحياء المجاورة، وتصبح كل الأنظار موجهة إلى شعالتنا.

يبدأ الإشعال فتنطلق الشعارات، عاشورة.. عاشورة… والقطة منشورة… عاشورة عاشورة… والقطة منشورة.

شعالة.. شعالة.. نعيمة البوالة … شعالة.. شعالة.. نعيمة البوالة …

ورغم ترديدي المتكرر لهذه الشعارات، لم أكن أدري ما علاقة القطة المنشورة بعاشورة. ولا أفهم لماذا تم هذا الربط، لكن حينما علمت من معلمنا أن عددا من المشعوذين يستعملون القطط في دجلهم عن طريق خياطة فمها، قلت ربما هذا هو الرابط ما دام العاشور بات موعدا قارا لطقوس الشعوذة والدجل عند الجهلة، هذا إن كان الشعار الذي نردده صحيحا ولم يطرأ عليه أي تحريف لأن هناك من يقول: القديدة منشورة وليس القطة .. لكن، منذ ذلك الوقت وإلى أن سلمنا مشعل المشاركة في الإشراف على هذا الطقس إلى غيرنا أحجمت عن ترديد هذا الشعار لأن فيه احتفاءا بالدجل.. أما شعار السيدة نعيمة فلا أذكره إلا ومعه إحدى الزميلات في القسم الخامس ابتدائي واسمها نعيمة، والتي من كثرة سلخها من قبل المعلمة ذات مرة أطلقت كوابح متانتها قرب السبورة وأحدثت بركة صفراء لم ينفع معها سوى إخراجنا إلى الساحة واستدعاء “أختي مينة” المنظفة لتعالجها. لكن عوض أن نواسيها آنذاك ونتضامن معها صرنا نناديها بلقب شعّالة.. شعّالة.

حينما تشتد النيران يكون الطقس قد وصل إلى ذروته، فيصبح النط فوق النار شيمة من الشجاعة لا يقدر عليها إلا الشجعان والأقوياء إن لم نقل الحمقى والمجانين.. وأنا أتذكر بعض نساء الحي كيف كنّ يتفاعلن آنذاك مع هذا الطقس، يأخذني الاستغراب. وأحيانا يغلبني الضحك.

كان العديد منهن يخرجن بناديرهن ودرابيكهن المشتراة حديثا من سوق العاشور ويشرعن في ترديد عدد من الأهازيج والأغاني المحتفية بالمناسبة.. هذا عاشور مات خلا سبعة دلبنات… هذا عاشور مات خلا سبعة دلبنات… عاشوري عاشوري .. غدا نعطيك عشوري .. عاشوري عاشوري .. غدا نعطيك عشوري … هذا بابا عاشور صلى وداه الواد .. قديدة قديدة منشورة على العواد.

لا أحد كان يعيب عليهن ذلك ما لم تتسلل من بينهن واحدة وتلقي بتميمة أو صرّة من يدها في النار المشتعلة، فتنقلب كل الشعارات إلى شعار واحد، وكل الأصوات إلى صوت موحد.. وا السحّارة وا السحّارة وا السحّارة.. وينطلق بعض ممن عاين موقع سقوطه إلى محاولة إخراجه وإبطاله قبل أن يحترق، ويحترق معه أمل الحاضرين..

المزيد المحلية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إقرأ أيضا

الحركة الشعبية بالعرائش تثمن “فيتو” أخنوش في وجه اعمارة ورباح و تدعو إلى التدخل الفوري لحماية الثروة السمكية من “درابور”

ثمن مكتب فرع حزب الحركة الشعبية بالعرائش، الفيتو الذي رفعه وزير الفلاحة والصيد البحري والت…