الرئيسية المحلية دجاجة جرف الرمال التي تبيض ذهبا.. «أخبار اليوم» تروي القصة الكاملة

دجاجة جرف الرمال التي تبيض ذهبا.. «أخبار اليوم» تروي القصة الكاملة

5 ثانية قراءة
0

قال المبدع فينسنت فان غوخ ذات يوم، “يعرف الصيادون أن البحر خطر والعاصفة شديدة، لكنهم لم يظنوا أبدا أن هذهالأخطار سبب كاف للبقاء على الشاطئ“، فما الذي يجعل إدريس يجلس القرفصاء على الشاطئ وهو يتابع حركة المدوالجزر عند مصب وادي سبو؟ يقول إدريس وهو من مهنيي الصيد التقليدي، ليست هذه مهدية التي كنت أعرف وليس هذاالبحر الذي عرفته صغيرا وقضيت جزءا من حياتي بداخله على قارب صغير لصيد السمك في ملكية الوالد، كان الصيدوفيرا وكانت الحياة تسير بشكل هادئ وطبيعي إلى أن بدأ عمل جرافات الرمال وسط البحر، لقد غيرت كثير من الأصنافالسمكية مناطق توالدها وهاجرت إلى مناطق بعيدة وما بقي منها هنا لا يكفي كل الصيادين الذين يجرون وراءهم مئاتالأسر… إننا نتقاسم الخيبة داخل البحر وعلى الشاطئ.

الشاطئ ابن البحر كما يقول المثل الروسي، هذا التشخيص الذي عبر عنه سعيد بعفوية، يؤكده العربي لمهيدي رئيسالكونفدرالية الوطنية للصيد الساحلي بالمغرب في حديثه مع “أخبار اليوم“، وذلك بقوله إن مهدية تعرضت سابقالاستنزاف وتدمير شامل من أجل إرضاء لوبي نهب الرمال، خيبة سعيد تكشف أن كثيرا من الناس لا ينتبهون لنشاطجرف الرمال، فهذا النشاط الصناعي لا يعرفه الكثيرون وحتى السكان الذين يوجدون على السواحل، فإن ما يقال لهمعندما يشاهدون بواخر الجرف، هو أنها تقوم بتنظيف أعماق البحر… هكذا بصورة بسيطة ومختزلة يقدم هذا النشاطالذي يساوي الملايير ويمثل إحدى صور الريع التي تخفيها أمواج البحر عوض أن تلقي بها على الشاطئ، لكن لأنالحقيقة بنت الزمن، دائما ما تنفلت من قيودها وتظهر بعد حين، فهذا الريع المدمر للبيئة سرعان ما يظهر جليا بعد فترةقليلة على مصبات الأنهار ومداخل الموانئ وحجم الشريط الساحلي بما لا يمكن إخفاؤه، يقول الدكتور مصطفى لبريمي،الخبير المغربي في علم البحار إن “الجرف يستخرج ترسبات مكونة من خليط من الرمال والحصى وكائنات حية، فكل ماهو موجود في قاع البحر الساحلي يتم شفطه“، وتضيف الخبيرة المغربية في جيولوجيا البحر، الدكتورة عائشةبنمحمدي، أن عملية جرف الرمال البحرية تخلف: “الزيادة في تعكير المياه التي تؤدي إلى حجب أشعة الشمسالضرورية لعملية التركيب الضوئي للنباتات التي تقتات عليها مختلف الكائنات الحية، بالإضافة إلى خنقها أو ابتلاعهاعبر مصاصات آليات الجرف… وتتسبب إعادة توزيع المواد الملوثة المترسبة، والتي وإن سلمت الأحياء المائية من هلاكها،فإن تراكمها عبر مستويات السلسلة الغذائية يشكل خطرا صحيا على الإنسان خلال استهلاكه لها“.

دراسة علمية أنجزها مكتب الدراسات الدولي “سوجريا“SOGREAH وبتعاون من المختبر الوطني LPEE وبتمويلمن وزارة التجهيز سنة 2011 (تتوفر “أخبار اليوم” على نسخة منها)

أثبتت أن ساحل مهدية يتراجع بأربعة أمتار سنويا نتيجة الجرف العشوائي للرمال عند مصب نهر سبو، وفيما يخصمصب أم الربيع خلص لقاء علمي من تنظيم “حركة معا” بحضور خبراء مغاربة في المجال، إلى أن الشركة التي تحتكرنشاط الجرف بالمنطقة، قامت على مدى سنوات بجرف رمال توازي شاطئا بطول 13 كلم وبعرض 100 متر وبعمق مترواحد، بكل ما يعنيه ذلك من ملايين الأمتار المكعبة ومن تدمير للتوازنات الإيكولوجية وملايير الدراهم الناتجة عن تسويقهاالتجاري. في سياق هذه العلاقة الملتبسة بين البعد الاقتصادي والالتزام البيئي يقول الخبير الاقتصادي المغربي، رشيدأوراز لـ“أخبار اليوم“: “في البلدان النامية حيث لا يمكن للمواطن محاسبة الحكومات المتحالفة مع رأسماليات المحاباةالريعية التي تبذر الموارد من أجل ربح سريع ومضمون. إنها إذن معضلة مركبة، وستدفع الأجيال المقبلة ثمن هذا التهور واللامسؤولية“.

“أخبار اليوم” تضع يدها على دجاجة جرف الرمال التي تبيض ذهبا، والتي شكل البرلمان لجنتين استطلاعيتين لكشف أسرارها، اللجنة الأولى أُعدمت سنة 2016 بعدما واجهت صعوبات كثيرة. يقول النائب السابق عادل بنحمزة، والذي كان يشغل فيها مهمة مقرر اللجنة، والثانية لازالت تُراوح مكانها ولم تقدم تقريرها بعد، هذه الدجاجة خصها المجلس الأعلى للحسابات منذ 2013 بملاحظات تهم الوضعية الاحتكارية للقطاع وغياب المنافسة، ثم ضعف المراقبة و الاختلالات التي تنتج عنه فيما يتعلق باستخلاص مستحقات الدولة والجماعات الترابية، وكذلك ما كشفته دراسات ممولةمن المال العام، أثبتت جميعها أن نشاط جرف رمال البحر يعد خطرا على البيئة والحياة البحرية، إضافة إلى ذلك فتلكالرمال/الترسبات وكما تثبت التحاليل المخبرية، هي غير صالحة للاستعمال في أشغال البناء، نظرا إلى ملوحتها وعمليةغسلها من تلك الملوحة، فضلا عن تكلفتها العالية، والتي ستفقدها قيمتها وتنافسيتها التجارية، تعتبر استنزافا للمياهالعذبة وتلويثا لمياه الأنهار والبحر. في هذا التحقيق تعيد “أخبار اليوم” تركيب “بوزل” هذه الدجاجة الخارقة وهذاالنشاط في أبعاده البيئية والقانونية والاقتصادية وتداعياته السياسية على صورة المغرب كبلد قرر منذ سنوات أن يوليأهمية خاصة للبيئة ولالتزاماته على الصعيد الدولي، خاصة بعد ما كشفه التقرير الصادم الذي أصدرته الجامعتانالأمريكيتان ييل وكولومبيا بتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي كشف أن المغرب خسر 46 مركزا في مؤشرالأداء البيئي، إذ بعدما كان يحتل المركز 55 على المستوى الدولي سنة 2018، تراجع للمرتبة 100 في النصف الأولمن سنة 2020.

فرضية التحقيق

ينطلق التحقيق من فرضية مفادها أن الظروف الغامضة لخوصصة شركة “درابور” DRAPOR ساهمت في تطبيع المالكين الجدد للشركة مع الوضعية الاحتكارية التي كانت للشركة كمرفق عمومي، مستثمرين في ذلك الفراغ القانوني،وكذلك التحول الذي عرفه نشاط الشركة بشكل غير مبرر سنوات قليلة قبل خوصصتها، إذ بعد سنة 1997 لم تعد الشركةتكتفي بجرف الصيانة، وهي المهمة التي أنشئت من أجلها الشركة سنة 1984 وتتطابق مع اسمها، بل أضافت إلى ذلكالنشاط جرف الاستغلال بقرار من مجلسها الإداري، أي الاتجار في رمال البحر المجروفة تحت ذريعة رواج لها بشكلواسع في تلك الفترة، ولازال يرددها البعض، وهي حاجة المغرب إلى الرمال وأن الموجود لا يفي بالغرض، فضلا عن ذلككان واضحا عدم مقدرة الدولة على مراقبة نشاط الجرف لافتقادها الوسائل التقنية والعنصر البشري المؤهل.

التراخي في توفير هذه الوسائل، ربما، يجد تفسيره في كون الجهة التي كانت تقوم بذلك النشاط كانت جهة تملك صفةالمرفق العمومي، مع غياب تام للهاجس التجاري، غموض مسار الخوصصة سيتكرس مرة أخرى بمسارعة الدولة في أقلمن سنة على انتقال الشركة إلى القطاع الخاص، والتوقيع على اتفاقية للاستثمار معها، إذ منحت الدولة بموجبها للشركةعدة مواقع على المحيط الأطلسي قصد جرف الاستغلال، بالإضافة إلى احتكار جرف الصيانة والاتجار في ترسباتهالمجروفة، وذلك لمدة عشر سنوات متوالية دون أي رقابة، وأي دراسة للنتائج البيئية لذلك النشاط، وقد أثار المجلس الأعلىللحسابات، بعض جوانب هذا الموضوع في تقرير صادر بالجريدة الرسمية سنة 2013، من خلال الوقوف عند النتائجالكارثية لجرف الرمال، والتي أثبتتها دراسات علمية من جامعات داخل المغرب وخارجه، بالإضافة إلى دراسات جرىتمويلها من المال العام في كل من وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك ووزارة الطاقة والمعادن والبيئة ووزارة الفلاحة والصيدالبحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وكلها خلصت إلى أن جرف الرمال بغاية الاتجار فيها له تكلفة بيئية عاليةوتأثيراتها خطيرة على الحياة والكائنات البحرية، بالإضافة إلى تآكل الشريط الساحلي وتحول بعض الشواطئ إلىممرات صخرية بفعل سف الكثبان الرملية تحت مائية التي تغذيها، ناهيك عن مخاطر أخرى، ومن بينها مخاطرالتسونامي، بالنظر إلى التغيرات التي يحدثها الجرف في التضاريس تحت مائية وما ينتج عنه من تحول في قوة واتجاهالتيارات البحرية. أمام هذا الوضع صدر قانون المقالع 27.13، والذي سيتضمن لأول مرة في تاريخ المغرب مقتضياتتؤطر نشاط الجرف وتضع تعريفا دقيقا لهذا النشاط بنوعيه، جرف الصيانة وجرف الاستغلال، هذا التحول القانوني لمتستطع الشركة المحتكرة التأقلم معه وبقيت في منطق شركة الدولة التي يمكن أن تعمل خارج الضوابط القانونية، وعوضأن تستثمر في تجهيزاتها للتأقلم مع الشروط الجديدة، والتقيد بالقانون، فإن الشركة ومن خلال رئيس مجلس إدارتهاأعلن صراحة في تصريحات للصحافة قبل أسابيع، أنهم لا يقبلون بطلبات العروض ولا بالمنافسة لأنهم الوحيدون فيالمغرب من يقوم بنشاط الجرف، كما أنه سخر من مقتضيات قانون المقالع 27.13 عندما قال بأنهم يطلبون منهم رميالرمال في أعماق البحر بعد جرفها في إطار جرف الصيانة، والحقيقة أن تلك الترسبات، وبالنظر إلى خطورتها، فقد أطرقانون المقالع طرق التعامل معها وأساسا غمرها في أعماق البحر. الرئيس المدير العام لشركة Drapor مصطفى عزيز،لم يقبل ذلك، لماذا؟ لأن الشركة تعودت منذ خوصصتها على الاتجار في ترسبات جرف الصيانة، فضلا عن تلقيها ملايينالدراهم نظير جرف تلك الترسبات، والتي هي من ضمن الملك العمومي البحري، بمعنى آخر أن الشركة وعلى مدى سنواتكانت تجسد المثل الفرنسي “تأكل الزبدة وثمن الزبدة…” هذا دون التوقف عند كون الكميات التي تصرح الشركة بجرفهاهي التي تعتمدها الوكالة الوطنية للموانئ كمرجع للأداء، حيث تحولت الشركة على مدى سنوات إلى خصم وحكم فيالوقت عينه.

شركة “درابور“… خوصصة بعلامات استفهام كبيرة

نظرا إلى توسع النشاط الاقتصادي للمغرب وما جرى تعزيزه على مستوى البنية التحتية المينائية، خاصة تلك الموجهةللنشاط التجاري وصيد السمك، وما تحتاجه هذه المنشآت من صيانة لمداخلها وأعماقها، أحدثت الدولة المغربية سنة1984 شركة جرف الموانئ “درابور“Drapor أوكلت لها مهمة إزالة الترسبات لتسهيل عملية الملاحة البحرية أو النهريةلتعميق المسالك الملاحية في إطار جرف الصيانة، لم يقتصر عمل الشركة على الموانئ المغربية، بل شمل، أيضا، كثيرا منالموانئ في بلدان غرب القارة الإفريقية، خاصة موريتانيا والسنغال، وكذلك ميناء لشبونة في البرتغال، إذ إن شركات جرفالرمال تبقى محدودة على الصعيد العالمي، لذلك كانت شركة “درابور“، فضلا عن كونها تتمتع بوضعية احتكارية داخلالمغرب، فإنها تعرف منافسة ضعيفة، وبالأخص على السواحل الغربية لإفريقيا، وقد جرت العادة في كثير من بلدانالعالم، أن تحتكر الدولة هذا النشاط، بل إن بعض الدول جعلت هذا النشاط حصريا بيد المؤسسة العسكرية لأسباب أمنيةوبيئية.

في ظل الظروف التي كان يشهدها المغرب بداية التسعينيات من القرن الماضي، ومع بروز موجة الخوصصة وتراجع دورالدولة في مجالات مختلفة، بدأ الحديث عن خوصصة الشركة، علما أن الشركة كما أسلفنا كانت تعيش وضعية احتكاريةولا تواجه أي منافسة، بالإضافة إلى طبيعة نشاطها الذي يتطابق مع اسمها ومع الهدف الذي أحدثت من أجله، وهو جرفالصيانة للموانئ، كما أنه نشاط ضروري لا غنى عنه وله طابع شبه سيادي، خاصة لجهة المعلومات الأمنية الخاصةبالمنشأة العسكرية الموجودة في الموانئ والقطع العسكرية البحرية، إذ إن تمكين الخواص من هذا النشاط، سيجعل الكثيرمن الأماكن الحيوية والتجهيزات المينائية ذات الطبيعة الأمنية والعسكرية مكشوفة. أمام كل هذه الاعتبارات جرى تجاوزفكرة خوصصة الشركة، غير أن الأصوات التي كانت تدفع في اتجاه بيع الشركة لم تستسلم، ولعل جعل الشركة فيوضعية مالية صعبة، قد يكون مبررا وجيها للتخلص منها، وهكذا كان، إذ عرفت الشركة مشاكل تدبيرية كبيرة أظهرتهابمظهر الشركة المفلسة التي يصبح الحصول على مشتر لها، في حد ذاته قصة نجاح مبهرة، علما أن المشاكلوالصعوبات المالية لم يكن هناك ما يبررها بالنسبة إلى شركة عمومية لا تواجه أي منافسة، وعوض معالجة إشكاليةالحكامة سوء التدبير داخل الشركة، عاد موضوع خوصصتها كحل وحيد إلى الواجهة، فجرى حصر قيمتها في 12 مليارسنتيم في البداية، وهو المبلغ الذي سيرتفع إلى قرابة 37 مليار عند عرضها للبيع فعليا، فكيف يمكن تفسير هذا الفرق؟مسار تحول شركة “درابور” من القطاع العام إلى القطاع الخاص، شأنه شأن مسار خوصصة شركة “لاسامير” لتكريرالنفط، إذ كلا المسارين كشف عن تضارب صارخ في المصالح، فإذا كان الوزير خلا السعيدي الذي أشرف على خوصصة“لاسامير” قد تولى إدارتها بعد مغادرته الحكومة مباشرة، فإن محمد البشيري الذي كان يتولى إدارة “درابور” كشركةعمومية شبه مفلسة، هو نفسه من سيتولى إدارتها وهي شركة خاصة قبل مغادرتها بعد سنة مع تعويض عن نهايةالخدمة..

في أكتوبر 2002 سيتم الترخيص رسميا لشركة “درابور“، وهي تابعة للدولة آنذاك لأول مرة بجرف الاستغلال بالمجرى الملاحي لنهر سبو، بناء على مسطرة طلب عروض، وذلك لمدة محدودة لا تتجاوز 5 سنوات وبموقع جغرافي محدد هوالمجرى الملاحي لنهر سبو وجرف كميات محدودة من الرمال لا تتجاوز 500 ألف متر مكعب، كما تضمن كناش التحملات المرفوق بقرار الترخيص الأصلي مجموعة من الشروط التي تتضمن الحد الأدنى من الموضوعية من قبيل:

ــ ضرور ة تقديم الشركة لدراسة بيئية سنوية تقيم تأثير نشاطها على المجال البيئي (المادة 12 من كناش التحملات).

ــ ضرورة توفر الشركة على مخزون من الرمال بفضاء التخزين لا يقل عن 50 ألف متر مكعب(المادة 6 من كناش التحملات).

ــ تتحمل الشركة مسؤوليتها كاملة فيما يتعلق بالمواد التي تسوقها (المادة 6 من كناش التحملات).

ــ عملية تسويق هذه المواد لا يمكن أن تجري إلا خلال التوقيت الإداري وتمنع ليلا (المادة 8 من كناش التحملات).

سنة 2007، ستتم خوصصة شركة “درابور” بعد محاولات سابقة لم تنجح لأسباب مختلفة، منها كما أسلفنا، جدوى خوصصة شركة لا تواجه أي منافسة في القطاع ونشاطها كله مرتبط بمنشآت تابعة للدولة، بعد الخوصصة سعى مالكو الشركة الجدد الاحتفاظ بصلاحيات الشركة وكأنها لازالت تابعة للدولة، وذلك بفضل علاقات متشعبة مع قطاع التجهيز، مما مكنها من تعطيل آليات المراقبة، حيث كان لنشاطها آثار وخيمة على خط الساحل، وعلى الثروة السمكية نتيجة انحرافها عن نشاطها الأصلي، وهو جرف الصيانة إلى جرف الاستغلال بهدف الاتجار في الترسبات المجروفة، بينما لمتساهم مثلا في جرف التربة في بحيرات السدود المغربية التي تعاني اليوم، من نسب عالية من التوحل نتيجة عقود منترسبات الأتربة والرمال، وهو ما يضعف حقينتها الحقيقية رغم ما كلفته من ملايير الدراهم.

امتيازات وحصانة مابعد الخوصصة!

مباشرة بعد خوصصتها (…) ستحصل شركة “درابور” على أربع رخص لجرف الاستغلال لاستخراج الرمال من أربعةمواقع بحرية بشواطئ أزمور ومهدية والعرائش، وذلك بغرض تسويقها لمدة خمس سنوات، في إطار اتفاقية للاستثمار معالدولة بشكل مباشرة ودون طلبات عروض. طيلة سنوات الاستغلال تمكنت الشركة من استخراج ملايين من الأمتار المكعبةمن المواد المترسبة، حيث اتسم نشاطها بالعشوائية وتسبب في تدمير التوازنات البيئية بهذه المواقع البحرية، في غياب أيإطار قانوني ينظم نشاط جرف الاستغلال الذي يعد في أغلبية دول العالم نشاطا استثنائيا يخضع لضوابط بيئيةصارمة، وبشرط توفر كل آليات ووسائل المراقبة، وهو ما تفتقده الإدارة المغربية إلى اليوم.

في 13 مارس 2008 أي في ظرف سنة من بداية سريان اتفاقية الاستثمار، سيصدر قرار يحمل رقم 2077 قام بتمديدوإحداث تغييرات جوهرية مست عدة مواد أساسية في الاتفاقية، حيث أعفيت الشركة من كل الالتزامات التي كانت تشكلعماد طلبات العروض عندما كانت الشركة في ملكية الدولة، مثلا:

ــ جرى تغيير موقع الاستغلال من المجرى الملاحي إلى مصب نهر سبو.

ــ جرى رفع الكميات المسموح باستخراجها من 500 ألف متر مكعب إلى 600 ألف متر مكعب.

ــ جرى تمديد الرخصة لعشر سنوات بينما المدة الأصلية هي 5 سنوات.

ــ جرى تمديد الرخصة دون الاكتراث لعدم احترام الشركة لشروط الاستغلال المبينة في كناش التحملات الأصلي.

ــ جرى تمديد الترخيص دون إنجاز دراسة تبين تأثير الخمس سنوات الأولى على المجال البيئي.

ــ جرى تمديد الرخصة دون عرض الملف على أنظار اللجنة الوطنية لدراسات التأثير على البيئة واللجنة الإقليمية المكلفةبالمقالع.

سنة 2011 سينجز مكتب دراسات دولي (SOGREAH) بتعاون مع المختبر الوطني LPEE دراسة لفائدة وزارةالتجهيز والنقل حول شاطئ مهدية، أكدت هذه الدراسة أن نتائج التحاليل المخبرية التي أنجزت على عينات من رمالشاطئ مهدية، بأن هذه الرمال تحتوي على نسبة جد عالية من معدن الزئبق تصل إلى 2.36 ميلغرام في كل كيلوغرام منالرمال، وهي نسبة تفوق ثلاث مرات النسب المقبولة بالنسبة إلى النفايات من هذا النوع بفرنسا، والتي لا يجب أن تتعدىفي أي حال من الأحوال 0.8 ميلغرام في كل كيلوغرام من الرمال. كما أن نسبة المواد الهيدروكربونية جد مرتفعة هيأيضا، وتصل إلى 2.01 مليغرام في كل كيلوغرام من الرمال بينما النسب المحتملة بالنسبة إلى هذا النوع من النفاياتهو 1.5 مليغرام في كل كيلوغرام من الرمال. (الصفحة 5)، كما أكدت الدراسة تآكل خط الساحل وتراجعه بأربعة أمتارسنويا بمهدية بسبب أشغال الجرف التي كانت تقوم بها شركة “درابور” منذ 2008 (الصفحة 11 والصفحة 15 منالدراسة)، وقد سجلت هذه الكارثة البيئية بعد سنة فقط، من خوصصة الشركة المعنية، علما أن نشاط الشركة يمتد إلىسنة 1984 ودون أن تسجل في عهد تبعيتها للدولة أي تجاوزات بيئية، لكن رغم هذه النتائج التي تدق ناقوس الخطر، فإنالمسؤولين استمروا بالعمل بحكمة القردة.

استمرارا للامتيازات التي حظيت بها الشركة بعد الخوصصة، تكشف معطيات “أخبار اليوم” أنها بين سنتي 2008 و2011 استفادت من إعفاءات جمركية وضريبية جد مهمة، وذلك في إطار نفس اتفاقية الاستثمار التي وقعتها معالحكومة المغربية، والتي التزمت فيها الشركة في المقابل بإنجاز برنامج استثماري على مدى 3 سنوات بمبلغ 469 مليوندرهم وتوظيف 150 شخصا بصفة مباشرة، و350 شخصا بصفة غير مباشرة.

المجلس الأعلى للحسابات يقرع ناقوس الخطر وعزيز الرباح يتجاهل

في سنة 2013، أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا رصد فيه مجموعة من الخروقات في تدبير نشاط الجرف (أنظرالجريدة الرسمية عدد 6116 مكرر بتاريخ 10 يناير 2013 الصفحات 190، 191 و 192)، أهمها غياب المنافسةوتغييب المراقبة، حيث أوصى المجلس بما يلي:

– السهر على تطبيق مبدأ المنافسة في منح تراخيص تجريف الرمال؛

– إرساء منظومة لتتبع ومراقبة أعمال الجرف.

غير أن عزيز الرباح، وزير التجهيز آنذاك، سيرمي توصيات المجلس الأعلى للحسابات عرض الحائط، وسيستبق إصدارقانون جديد للمقالع، إذ سيعلن عن دفاتر تحملات تهم فتح عدد كبير من مقالع جرف الاستغلال على امتداد السواحلالمغربية، ومما تضمنته تلك الدفاتر السماح بجرف الرمال في مسافة أقل من ثلاثة أميال من الشاطئ، وهو ما يتناقضجملة وتفصيلا مع مخطط “أليوتيس” للصيد البحري، والذي يمنع الصيد في تلك المسافة باعتبارها المسافة التي تتوالدفيها الأسماك وتضم مباييضها.

فكيف يعقل أن يتم منع الصيد حماية لدورة التوالد عند الأسماك، وفي الوقت عينه السماح بنشاط جرف الرمال الذييدمر البيئة البحرية والكائنات الحية بها، وقد قدمت وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات إلى وزارة التجهيزوالنقل في تلك الفترة، تقريرا أعده المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، تضمن المعطيات العلمية الخاصة بتأثيرجرف الرمال على الثروة البحرية والمناطق الحساسة.

تشريعات جديدة تشدد الخناق على الجرف العشوائي للرمال

في السنة عينها (2013) سينطلق نقاش واعد في البرلمان حول قانون جديد للمقالع يغطي كثيرا من الثغرات والفراغاتالتي يعشش فيها الريع والفساد، غير أن مشروع قانون المقالع الذي كانت وزارة التجهيز تعتزم تقديمه إلى مجلسالنواب، كان خاليا من أي مقتضى قانوني يهم جرف رمال البحر باعتبارها مقالع بحرية، مما حدا بأحد الفرق النيابية(الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار) إلى تقديم مقترح قانون خاص بنشاط الجرف والمقالع البحرية، وبعد نقاشطويل داخل لجنة التجهيزات والبنيات الأساسية داخل مجلس النواب سيتم الاتفاق على دمج مشروع قانون مع مقترحقانون ليتوج ذلك سنة 2015، بصدور القانون الجديد الخاص بالمقالع رقم 13-27 (الجريدة الرسمية عدد 6374 بتاريخ 2 يوليوز 2015)، والذي أدرج لأول مرة في تاريخ التشريع المغربي الجرف ضمن نشاط المقالع بالوسط المائي،وذلك لملئ الفراغ القانوني الذي استثمرت فيه الشركة المحتكرة لنشاط الجرف بعد خوصصتها، إذ عرف المشرع عمليةالجرف على أنها: “كل عملية تهدف إلى استخراج المواد المترسبة بمجاري الأنهار ومصباتها وحقينة السدود وأحواضالموانئ والمسالك الموصلة إليها، ومن البحيرات وقعر البحر بهدف الصيانة أو بهدف الاستغلال أو بكليهما“، كما فرقالمشرع بين نوعين من الجرف ووضع تعريفا دقيقا لكل واحد منهما، وذلك على النحو التالي:

– جرف الصيانة: كل عملية جرف تكون الغاية منها تسهيل عملية الملاحة البحرية أو النهرية وجنباتها أو إزالة الترسبات أوالقيام بأشغال البناء أو الرصف أو الردم أو استصلاح مواقع طبيعية أو منشآت عمومية أو توسعتها أو مجاري المياهوالبحيرات أو حمايتها أو التهيئة بصفة عامة؛

– جرف الاستغلال: كل عملية جرف تكون الغاية منها الاستغلال التجاري للمواد المستخرجة.

إضافة إلى هذا القانون، فإن الترسانة القانونية الوطنية ستتعزز في السنة عينهابالقانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل،والذي تنص مادته رقم 24 بوضوح على أنه: “لا يمنح الترخيص باستغلال الرمال وغيرها من المواد إذا كان من شأن هذاالاستغلال أن يلحق بشكل مباشر أو غير مباشر ضرارا بوحدة الشاطئ أو بكثيب رملي أو بجرف أو بمستنقع أو بحيرة أوبمنطقة توالد الأسماك وموطنها أو بمنطقة رطبة، أو من شأنه أن يلحق ضرارا بالتنوع البيولوجي أو بمورد طبيعي للثروةالسمكية أو بأنشطة تربية الأحياء“. وهي مادة واضحة لا يمكن الالتفاف عليها في كون نشاط جرف الاستغلال نشاطاستثنائي مقيد بما جاء في قانون الساحل81.12 ومرتهن إلى المخططات الجهوية للمقالع المنصوص عليها في قانونالمقالع 27.13 والتي ستحدد المواقع التي يمكن استغلالها كمقالع، وهي المخططات التي لم تر النور بعد.

المزيد المحلية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إقرأ أيضا

مؤسسة ألوان الطيف الخاصة تعلن عن استمرار فتح باب التسجيل

مادة إعلانية تعلن مؤسسة ألوان الطيف الخاصة عن استمرار التسجيل للموسم الدراسي 2020-2021 . و…