حوار الأفكار عند أهل الحكمة و الأخيار… -1-

مدير التحرير | 2018.07.29 - 5:04 - أخر تحديث : الأحد 29 يوليوز 2018 - 5:26 مساءً
لا تعليقات
قراءة
شــارك
حوار الأفكار عند أهل الحكمة و الأخيار… -1-

بقلم : عبد العزيز خليعشي

هي لحظة تأمل و حوار…ينبثق منها نور تشع به الأفكار و تحيا حرة ينعثق بفضلها الفكر ، و يستمد منها هوية التفكير الناقد. إنها لحظة مخاض طويلة تكاد تكون سرمدية؛ و لن يكون بمقدور الزمن أن يتطاول عليها لأنها دالة عليه بعظمة أثرها… هي تلك اللحظة التي يرجع إليها النبلاء و الفقهاء و الحكماء و لا أحد غيرهم إلا نادرا و استثناء…ليتحول موضوع أثرها الثابت و الأبدي إلى حكم و قضاء و فصل بالقرار فيما يتصل ماديا و سببيا…بالاختلاف بين الناس في مسائل الحياة و العيش و الانتماء بمحددات التملك والحيازة…في العسرة و الرخاء.

– طالب العلم: إنه لمن دواعي السرور أن أتحدث إلى محب للحكمة مثلك يا ” معلمي “!
– الفيلسوف : شكل التعبير هذا عادة بسطاء الناس في الكلام يفقدهم التعالي بالتفكير بمعناه الأصيل!
– طالب العلم : عفوا ! لم يكن قصدي التعبير بالعادة عن تلك العادة في الكلام…
– الفيلسوف: إنك تدرك تماما الفرق يبن الكلام و القول فيما له صلة بالتعبير عن الفكر.
– طالب العلم: مؤكد ! و سأحرص على أن تكون قيمة السؤال حاملة لأجوبة أجهل منها ما يقع في صميم إدراككم لها…
– الفيلسوف : إن المسافة الفاصلة بين السؤال و الجواب تملأها أفكار تستدعي تدخل التفكير و حضور يقظة الضمير…
– طالب العلم: و كأن علاقة السؤال بالجواب لها ما يبررها معرفيا و أخلاقيا…و كأنها علاقة تسمح بولادة طبيعية لمقولات تصنع بالقوة امتداد تلك المسافة في الزمن و تجعل الناس معنيين بتلك الأجوبة و أكثر تمسكا بتلك المقولات…
– الفيلسوف: أي نعم ! و اعلم أن تمسكهم بها بحسب فهمهم لها أو إدراكهم إياها على النحو التي هي عليها بالضبط ؛ و إن هو الأمر كذلك فهو معرفة بالشئ توحد الناس في كثير من شؤون الحياة و تصير مسؤوليتهم تجاهها ضابطا بكسب ثقافتهم الصلابة اللازمة…
– طالب العلم : المسؤولية ! أثارني هذا المفهوم و أنت تسمو بدوره في الحياة و الثقافة.أجد ذهني يرتعش شوقا و أنا أريد صياغة سؤال يستقيم به فضولي المعرفي…ما المسؤولية ؟
– الفيلسوف : إن أفقها التأملي وتدان : التساؤل و المساءلة.
– طالب العلم : ما عساه أن يكون الرابط بينهما و ما علاقتهما بالمسؤولية ؟
– الفيلسوف: في الكثير من الأحيان نجد الناس يتحدثون عن التعامد في المستوى كما في الفضاء…و إنك لتقول في ذلك بمرجع القاعدة التي تفيد المعقول يقضي بنفاذ أثرها في الواقع المادي…و إن التعامد هو تلك النقطة بما يجب أن تستوفيه قياسا و حسابا…
– طالب العلم : و عالم الرياضيات يتوجه بذهنه و بحسه إلى تلك النقطة لأنها الأصل في إقامة العلاقة التعامدية بين المستقيمين بحيث أنها منطلق البرهنة للقول بأن كل مستقيم هو عمودي على الآخر… ففكرة التعامد سابقة و البرهنة عليها ، باعتبار شرط الإحداثيات مثلا، هو اللاحق.أفهم أن حال هذين المستقيمين ينطبق على ما هو تساؤل و مساءلة…
– الفيلسوف : إن رابطهما يتجاوز الشكل الظاهري وأن تلك النقطة في هذه الحال هي رابط المعنى الأصيل و الدال …إذ البحث في الرابط هو تأمل تلك النقطة…للتوصل إلى أنه لا يجوز الفصل بينهما.إن النقطة هي السؤال اللازم و النافذ و منه فعدم الجواز في هذا الحال يدخل ضمن مجال المستحيلات…فالتساؤل و المساءلة متلازمان في المنطق وبالمنطق.لكن ما علاقتهما بالمسؤولية ؟
– طالب العلم : تسألني ؟!
– الفيلسوف : أنت تعيش لحظة تأمل تاريخية و الجواب قد استقر معناه قي ذهنك…و ها أندا في وضع المسؤول و إنه لمن واجبي أن أوجه تخمينك و تفكيرك…و لعله تأملك المؤدي إلى الحقيقة!
– طالب العلم : أظنني فهمت أشياء محددةّ!
– الفيلسوف : هو حدسك و هو دليلك !
– طالب العلم : المسؤولية… تكمن في تلك الأشكال المكتملة و المحققة للتعامد المبرهن عليه… و أن كل صورة لها في هذه الحال بالضبط تشترط توفر كل العناصر: التساؤل و المساءلة و الرابط المنطقي و الضروري…!
-الفيلسوف: كيف ذلك ؟
– طالب العلم : إن البنايات الفخمة مثلا ، بما أنها صناعة الإنسان و هي أثر فعله الدال على تفكيره و يقظة ضميره هي هذه الصورة الواقعية الظاهرة ؛وإنها أبلغ تعبير عن المسؤولية إذا كانت مطابقة لمعناها تماما بمرجع التساؤل و المساءلة…فالقول بهما يحيل على الأصل و الرابط ؛ بينما العلاقة قائمة بفعل الفعل ينتج بالضرورة أثرا ماديا عمرانيا يظهر كل التعامد ، إذ يجب أن تميزه شدة المقاومة اللازمة تضمن استمرار نفعية الوقع و الأثر…
– الفيلسوف : و أنه بزوال هذا الأثر و بفساده يزول الرابط و تسقط العلاقة و يدل كل ذلك على العبث الذي يدرأه العقل و تنفيه الأخلاق…
– طالب العلم : أو ليس العبث من الجهل ؟
– الفيلسوف : هلا محصت لي هذا الجهل ؟
– طالب العلم : هو جهل بما ستؤول إليه الأشياء و الأحوال بما أنها تنتمي إلى مجال إمكانية وقوع الفعل الإنساني عليها و حصول تغييرها و تحويلها…وتجاهل العلل و الأسباب و الأحوال و نتائج الأفعال هو الجهل الأقصى…
– الفيلسوف : أفهم أن الفعل المسؤول و التجاهل لا يجتمعان مطلقا باعتبار ما يقضي به مبدأ الرابط و العلاقة !
– طالب العلم : بل التجاهل قصور و تقصير و تخلف و فوضى…
– الفيلسوف: أدرك الآن أنك تدرك ما أدركه…وكم سأكون سعيدا لو أني أرى كل الأطفال ينعمون بحياة مفعمة بقيمتي الإرادة و المسؤولية بقدر ما تقوي المناعة لديهم بقدر سيتقوى بهم مجتمع الأشخاص…!
– طالب العلم : إن المسؤولية واحدة في الأصل ؛ و هي موزعة يبن الناس بحسب درجة و مستوى تفكير كل واحد منهم.
– الفيلسوف : بل هي الأجدر أن تعتبر عندما لا يمكن فصلها عن الإرادة و موضوعهما مصلحة الناس و حاجاتهم…!
يتبع

اترك تعليق 0 تعليقات

ان جريدة العرائش 24 الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العرائش 24 و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان العرائش 24 الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح العرائش 24 بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.