من هو الشاب العرائشي الذي أعدمته داعش مؤخرا؟

مدير التحرير | 2018.08.05 - 11:38 - أخر تحديث : الأحد 5 غشت 2018 - 11:38 مساءً
لا تعليقات
قراءة
شــارك
من هو الشاب العرائشي الذي أعدمته داعش مؤخرا؟

بقلم: بهاء الدين بومنينة، باحث وخبير قضائي بإسبانيا متخصص في الجماعات الإسلامية.

النص الأصلي للمقال بالإسبانية منشور بالعدد 11 من المجلة العلمية المتخصصة في الجماعات الإسلامية (الغرباء) الصادرة باللغة الإسبانية من طرف منظمة CISEG (مختصة في البحث والأمن العالمي (

من هو الشاب العرائشي الذي أعدمته داعش مؤخرا؟

تعد مدينة العرائش من المدن الصغيرة، التي هاجر منها في السنوات الأخيرة العديد من الشباب الطائش للانضمام إلى التنظيمات الجهادية المختلفة، إذ منهم من ظل في الصفوف الأمامية في جبهات القتال ومنهم من ترقى إلى مهمة مرافقة أبو مصعب الزرقاوي.

في السنوات الخمس الأخيرة قبل وبعد إعلان داعش لما سمته بدولة الخلافة، هاجر العشرات من أبناء – أغلبهم قتلوا – المدينة، الذين تم تسهيل سفرهم وتنسيقه مع أحد أبناء الحي، المعروف باسم قاسم، معتقل سلفي سابق بسجون المملكة.

قاسم مع بعض المقاتلين العرائشين المستقطبين من طرفه

وفي هذا الإطار، التحق شاب صغير مسمى عبيدة خيبر والملقب بأبو ثابث المغربي، بالتنظيم الإرهابي متمتعا بحماية خاصة، فهو ابن أحد قادة القاعدة في العراق الذي كان له شأن كبير لدى أسامة بن لادن، فكان قيد حياته اليد اليمنى والحارس الخاص لأبو مصعب الزرقاوي، لدرجة أنه تم رثائه ببيان رسمي من طرف التنظيم الإرهابي بعد موته.

إلا أن هذا الشاب العرائشي تم إعدامه من طرف التنظيم شأنه شأن بعض قادتهم أو جنودهم الذين حاولوا الفرار أو العصيان، غير أن عبيدة يبقى حالة خاصة باعتباره “نجم” وقدوة داخل الحركة السلفية الجهادية بالمغرب، بل حتى مكانته لدى داعش تفرض انفراد أمير المنطقة لوحده بقرار قتله في حالة قيام هذا الأخير بأفعال عقوبتها الإعدام.

وفي هذا السياق، قمنا بالبحث والسؤال عن سبب قتله وكيفية قتله، فتبين أنه تم التطبيق عليه عقوبة التعزير. وذلك بعد البحث والتحقيق في الأفعال المرتكبة من طرف عبيدة والتي أدت به إلى الموت على يد التنظيم بالرغم من أنه دافع عليه قبل الإعلان عنه.

فقد كان عبيدة يعيش قيد حياته في منطقة محاطة لهجين مع والدته وأخته الصغيرة التي بالكاد بلغت الثانية عشر من عمرها، في حين أن أخته التي تكبره سنا، كانت متزوجة من مقاتل سوري قبل اعتقالها مؤخرا من طرف الأكراد. مما دفع بأبو ثابت المغربي بالدخول في خلاف مع النظام خوفا على مصير أمه وأخته الصغرى، إذ واجها القادة المحليين لمنطقته، معتبرا أنه تم خداعهم لعدم تحمل داعش لمسؤولية إخراج الأسر “المدنيين” من مناطق القصف وعدم التكلف بدفع الثلاث آلاف دولار للشخص المطلوبة من طرف المهربين لإيصال أي شخص للحدود التركية.

مما جعله يشعر باليأس وفقدان الأمل من التنظيم الإرهابي، إلى أن وصل به الحد ليجاهر لمقربيه بنيته التي تكمن بتسهيل خروج أمه وأخته الصغيرة أولا، ثم فراره بعدهم إن أمكن. فكان خلافه وعدم رضاه عن سياسة داعش وكيف تدير انهزامها وانحصارها وصل به إلى مرحلة الإنفصال الاديولوجي والإقتناع بأن الوهم الذي بيع له منذ صغره لا علاقة له بالمستنقع الذي سقط فيه.

ونظرا للإحترام الذي يكن له العديد من المقاتلين، أسبوع قبل إعدامه، قام حوالي ثلاثين مقاتل بداعش برمي السلاح والإنسحاب من المعركة ضد الجيش السوري في المنطقة المحادية لهجين، ليتم إعتقالهم وإعدامهم من طرف أصدقائهم في نفس اليوم، ليرموا بعدها جثثهم بنهر الفرات أمام حشد غفير من المقاتلين وعائلاتهم، كتحذير قاسي لمن سولت له نفسه اتباع تيار عبيدة.

وعليه، في اليوم الموالي تم إعتقال الشاب العرائشي بتهمة الغلو والخيانة في نفس الوقت، مقررا في حقه والي المنطقة تطبيق عقوبة التعزير كعقاب على أفعاله.

قد تبدو قصة عبيدة عادية، من بين مئات قصص المقاتلين الذين تم إعدامهم من طرف داعش لمحاولة فرارهم مثلا، لكن واقعة أبو ثابت ليست كباقي القصص، فهي مؤشر كبير يمكن اعتماده لقياس مدى قوة وصمود التنظيم داخليا ومحاولة قراءة مستقبله على المدى القصير.

للوصول لهذا الهدف، يلزمنا الرجوع لحقبة عبيدة بالمغرب وقصة والده الذي خرجت القاعدة بعد موته بقصائد ومقالات قامت برثائه. وذلك بغية توضيح وزن الشاب العرائشي وقراءة واقعة إعدامه بطريقة صحيحة.

فرجوعا لقصة والده محسن خيبر، الذي بالكاد أتذكر ملامحه، لأني تصادفت معه في طفولتي بنادي رياضة الكراتي الكائن بجانب بنك المغرب. فقد كان من أوائل المتشبعين بالفكر الجهادي بالشمال، إذ كان نشيط بين الجماعات الإسلامية في سنوات التسعينات.

وبعدها خلال حرب العراق هاجر نهائيا من المغرب للمشاركة مع القاعدة، صعد نجمه لنباهته وذكائه بحيث لعب دورا كبيرا بين سنة 2004 و2006، فقد كان المسؤول الأول لتنسيق عبور المقاتلين من سوريا إلى العراق والمسؤول عن التسجيل والاختيار وتحضير الإنتحاريين.

وعليه بعد بضع سنوات من البحث المكثف عنه من طرف الولايات المتحدة، تم العثور على جثته بحانب جثة أبو مصعب الزرقاوي بالمنزل الذي كانا يختبئان به، بعد قصفهما من طرف طائرتين حربييتين من نوع اف16.

وعودة لقصة الإبن عبيدة، فبعد سنوات من مرافقة السلفيين بجهة الشمال، الطفل المراهق صعد نجمه في وقفات واحتجاجات اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، فقد أصبح مرافقا واليد اليمنى لمنسقها أسامة بوطاهر الذي يقود وينشط الوقفات رغم حداثة سنه. فهو مقاتل سابق بالبوسنة، هاجر للشرق الأوسط وبائت محاولاته للدخول لأفغانستان عبر إيران بالفشل في أواخر سنة 2001، ليعود إلى سوريا حيث تم اعتقاله في يناير 2002 وتسليمه للمغرب في يوليوز من نفس السنة، حيث بقي في الإعتقال ثمانية أشهر.

عبيدة خلال تنشيطه لوقفة للجنة المشتركة بالعرائش

وتجدر الإشارة هنا، بأن اللجنة المشتركة تم ادراجها في لوائح الجماعات الإرهابية بأوروبا، بحيث أن القاضي الإسباني إلوي بيلاسكو المختص بالتحقيق في قضايا الإرهاب يعتبر في إحدى قرارته، معتمدا في ذلك على تقارير استخباراتية مغربية واسبانية، أن اللجنة المشتركة هي عبارة عن ذراع سياسي لداعش بالمغرب مختص بالدعم والإشادة بالإرهاب، وعش لاستقطاب الشباب الذين يريدون الهجرة لمناطق القتال.

وفي هذا الصدد، فشهرة عبيدة ونشاطه في اللجنة المشتركة أهله لمرافقة العديد من كبار المنظرين السلفيين بالمغرب، على رأسهم عمر الحدوشي. إلى أن اتخذ قرار الهجرة رفقة والدته وأختيه سنة 2014، حيث مكث بضعة أيام بتركيا أولا قبل دخوله لسوريا، ليتم استقباله بطريقة خاصة عكس باقي المقاتلين الملتحقين بالتنظيم الإرهابي، باعتباره ابن الشهيد.

عبيدة وأسامة بوطاهر في وقفة للجنة المشتركة بساحة التحرير

عبيدة وعمر الحدوشي بضعة أسابيع قبل هجرته لسوريا

ومن الملاحظ حينها أن عبيدة لم يسند له أي دور عسكري ولم يدرب للمشاركة في المعارك بل اكتفوا بداية بتدريب روتيني أولي حول كيفية حمل السلاح الخفيف والدفاع عن نفسه في حالة هجوم أحد أعدائهم. قبل أن يتم ضمه لديوان الإعلام، ليدرس بطريقة مكثفة تقنيات التصوير والمونتاج، واعطائه تجهيزات جد حديثة، ليصبح من المصوررين الأكثر شهرة بينهم. علما أن العديد من الصور المشهورة وشرائط داعش الأكثر انتشارا التقطت من طرفه. من بينها الصور المتعلقة بحرق الطيار الأردني، والصور الموثقة لمعارك الموصل، وبعض الإصدارات الشهيرة كصليل الصوارم.

عبيدة بضعة أسابيع بعد ولوجه لسوريا

فخلال عمله في ديوان الإعلام، كان يتمتع بحماية مكثفة بحيث أسندت له مهمات التوثيق فقط لوقائع التي كانوا قادته متيقنين من أنها لا تشكل خطرا على حياته، علاوة على تمتعه بامتيازات ليست لغيره من زملائه كحرية التنقل بين ولايات داعش، شمالا وعرضا.

والأنكى من ذلك، سبق وأن دخل في خلاف كبير مع أحد أمراء ديوان الإعلام معروف بغطرسته وعجرفته مع المقاتلين المنحدرين من شمال افريقيا، بحيث حاول ابعاده عن الإعلام وإلحاقه بجبهات القتال، ليتدخل والي ديوان الإعلام شخصيا موقفا الأمير الذي تسبب في إغضاب الشاب العرائشي، بل وقد أعفاه من منصبه وألحقه بمكتب تقني ثانوي حيث قتل أسابيع بعد ذلك.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن أن ننسى دور عبيدة في تنسيق وتزكية العديد من الشباب العرائشي الذين التحقوا بداعش في السنوات الثلاث الأخيرة، أغلبيتهم قتلوا في المعارك، بخلاف قلة لا تتجاوز العشرة، جلهم يتمنوا حاليا الفرار من جحيم الحرب، مفضلين سجون المملكة على حلمهم المفقود.

إذن لماذا انتهى عبيدة بهذا الشكل لحد أن داعش قامت بتطبيق عقوبة التعزير عليه، وما هي القراءة التي يمكن استخلاصها من هاته الواقعة؟
بداية، نستخلاص أن قادة الصف الأول الذين زكوا عبيدة وحموه لمعرفتهم بوالده وبمكانته، قد اختفوا من الواجهة، فأغلبيتهم تم قتلهم وبعضهم هربوا للصحاري الواسعة حيث يصعب الوصول إليهم. في وجودهم، كان يستحيل أن يقوموا القادة الميدانين بإعدام الشاب العرائشي، لأن داخل داعش في الكثير من المحطات عبر بعض الشيوخ والشرعيين عن خلافهم وعن الأمور التي لم يوافقوا عليها دون أن يتم اعتبار انتقادهم غلو موجب لعقوبة التعزير.

ثانيا، كي نرى أن شخص كعبيدة، الذي نشأ في أفكار السلفية الجهادية منذ نعومة أظافره وعاش وترعرع في عالم داعش، ودافع عن التنظيم علانية يصل لحد الطعن في النظام وفي إدارته معبرا عن أنه تم التغرير به وخداعه، لتصبح داعش بعيدة عن أهداف الخلافة كما ربوه عليها، فهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن التنظيم في شكله الحالي قد فقد بريقه بين السلفيين ولم يصل لمبتغاه المنشود.

ثالثا، وبخلاف باقي الإعدامات، داعش قامت بإخفاء حدث إعدام عبيدة لأنهم متيقنين وواعون أنهم فقدوا مصداقيتهم، فقتل شخص “محبوب” ومحترم بين العديد من التيارات السلفية لن يتم هضم عقابه بالتعزير بطريقة سهلة ولن يمر مرور الكرام بين السلفيين الجهاديين، لأن التخلص منه كان بهدف إسكاته وليس بهدف بعث الرعب بين جنوده.

رابعا، أن يقوم أكثر من ثلاثين مقاتلا برمي السلاح والاستسلام متأثرين بانتقادات عبيدة لا يدل فقط على مكانته وإنما عل حالة اليأس وفقدان الأمل التي وصلت لها الصفوف الأمامية لجبهات القتال الداعشية وهي نقطة ستؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي اندثار التنظيم قريبا ومرورنا إلى حلقة أخرى من مسلسل الإرهاب بشكل وتنظيمات أخرى، قد تكون أكثر خطورة وأشد وحشية.

وختاما، إن القادة الميدانيين الذين يسيرون التنظيم في المناطق الصغيرة التي لا زالت تحت سيطرة التنظيم، غير مستعدين للسماح بأي تيار داخلي معارض أن ينشأ ويقلب قواعد اللعبة ولو أنهم واعوون بأن هذا الأمر يعد انتحارا بحد ذاته للتنظيم الذي خاسر قاعدته الشعبية بين صفوف مقاتليه وفقد بوصلة زعيمه الذي لم يظهر له أثر منذ شهور، ليس فقط إعلاميا ولكن أيضا داخل التنظيم.

اترك تعليق 0 تعليقات

ان جريدة العرائش 24 الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العرائش 24 و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان العرائش 24 الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح العرائش 24 بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.