ذكريات مقاتل سابق من العرائش بصفوف داعش

مدير التحرير | 2018.09.07 - 11:18 - أخر تحديث : الجمعة 7 شتنبر 2018 - 11:50 صباحًا
لا تعليقات
قراءة
شــارك
ذكريات مقاتل سابق من العرائش بصفوف داعش

حوار مع سفيان الخماري

أثناء مقامي بمدينة العرائش قبل شهرين، علمت عبر بعض الأصدقاء، أن سفيان الخماري (محاورنا) قد أطلق سراحه بعد قضاء مدة السجن التي كان محكوما بها، وهو حاليا متواجد بالمدينة، لم أتردد ولو دقيقة في ربط الاتصال به، فهو صديق الطفولة، كما تقاسمنا اللعب بالحي وبمنزلنا أحيانا أخرى، رغم أننا لا نسكن نفس الحي، إذ استمر الحال هكذا، نتجاذب أطراف الحديث كلما التقينا إلى أن باعدت بيننا مشارب الحياة الدراسية والمهنية لدرجة أننا لم نلتقي لسنوات.

قبل سفره لسوريا للانضمام إلى تنظيم داعش، كنت أعلم بأنه تدين وتطرف لدرجة الغلو… لهذا لم أتفاجأ بخبر سفره، فليس هو الأول أو الأخير من وقع ضحية الفكر المتطرف، وسقط في مستنقع الإرهاب الدموي، فحتى أعز وأقرب أصدقائي ” ع.ع “، بدون سابق إنذار وبعد مساء ممطر برفقة بعض الأصدقاء بمقهى الشباب بالعرائش، حيث لعبنا عدة أشواط من ” البارتشي ” (لعبة إسبانية شهيرة بشمال المغرب)، حزم حقائبه في فجر اليوم الموالي وتوجه إلى وجهة مجهولة خلال شهر أبريل من سنة 2008، لنعلم سنة بعد ذلك أنه سافر إلى العراق، وقتل مع مجموعة من الشباب اليافع على أيدي القوات الأمريكية بالحدود العراقية السورية ؛ عندما كانوا يحاولون تهريبه لداخل العراق للالتحاق بتنظيم القاعدة.

لهذا لم أتفاجأ بخبر هجرة سفيان، لكنني تأسفت كثيرا لوقع ذلك على عائلته التي أعرف أفرادها، وخاصة والدته التي عانت كثيرا من بعده عنها وخشيتها أن يقتل في حرب لا علاقة له بها لا من بعيد ولا من قريب … بل وزادت معاناتها بعد وفاة رفيق دربها (أب سفيان). أم فاضلة ربت أبنائها على الأخلاق الحسنة والإسلام المعتدل، وهذا واقع لا مشاحة فيه، و فيصلنا في هذا ترأس أخته الكبرى ” ف ” تحرير جريدة صدى الشمال خلال سنوات1998 إلى 2001، قبل أن يجرفها تيار العمل المسرحي والسينمائي، وأنغام الموسيقى الصوفية الروحية التي تألقت فيها.

هذا الاستهلال يؤكد أطروحتي التي أدافع عنها منذ سنوات؛ وهي أن شبح التطرف والانضمام للجماعات الإرهابية ليس محصورا فقط على الشباب الذي يعاني من الفقر والتهميش أو على من عاش داخل أسر سهلت تشددهم وغلوهم في فهم الدين، بل أيضا ممن كانت لهم تربية حسنة نابعة من تعاليم الإسلام المعتدل في كنف إسلام معتدل.

الخبر الذي فاجئني كثيرا، هو رجوع سفيان من سوريا بعد تسليم نفسه للسلطات المغربية، إذ كان من أوائل العائدين، أسابيع قبل إعلان الخلافة من طرف أبو بكر البغدادي، هذا الشخص الذي كان يراه سفيان مترددا على بناية مكلف بحراستها دون أن يعرف صفته ولا لقبه ولا طبيعة مهمته في التنظيم باستثناء أنه أمير على شاكلة أمراء الطوائف.

أصيب سفيان بذهول شديد وهو يتابع الأخبار من داخل سجن الزاكي بمدينة سلا أن الشخص ذو اللحية السواد الكثة الذي نصب نفسه خليفة على المسلمين هو نفس الشخص الذي حدثت له معه بمعية رفيقه واقعة طريفة بمدخل باب بناية محكمة مدينة الشدادي بسوريا لأنه كان يجهل هويته مثل باقي المقاتلين.

بل الأنكى من ذلك، أن حتى أحد حراسه الشخصيين ممن كانت لديهم صداقة مع سفيان كانوا يجهلون طبيعة الشخص الذي يحرسه أو لقبه، فالاحتياطات الأمنية لتنظيم داعش كانت جد دقيقة؛ تفاديا للوقوع في نفس أخطاء القاعدة، إذ أنه كان يمنع التعامل بالألقاب أو المناصب بين أفراد التنظيم حماية لهوية القادة (الأمراء)، باستثناء من تم الإذن لهم بذلك كالناطق الرسمي مثلا.

فرحت كثيرا لرجوع سفيان سالما من ساحة الوغى … أصبحت متتبعا لأخباره، وبمجرد حلولي بالوطن الحبيب حتى اتصلت به للاطمئنان عليه أساسا، بعيدا عن اهتماماتي المهنية بصفتي خبير قضائي وباحث في مجال قضايا الإرهاب.

صراحة، عندما كنت متوجها للقائه كنت أتخيل أنني سألتقي بشخص متطرف أنهكته الحرب والسجن…. لم أتوقع قط أنني سأجالس شخص تائب ونادم على ما بدر منه من تصرفات لم يكن يعي حقيقتها في البداية إلى أن وجد نفس في مستنقع آسن …، قام بمراجعة عميقة لما كان مقتنع به في السابق، ودفعه للهجرة إلى سوريا.

تحولت دردشة ساعة إلى نقاش أخذ أكثر من خمس ساعات، فقد كنت أمام ظاهرة ليست بالعادية، موجودة ولكنها نادرة. فالشخص الماثل أمامي كان يمثل ما نسميه بالغرب ” la des radicalización ” وهو ما يعني الرجوع من التطرف أو المصالحة مع الذات والمجتمع.

وتبعا لما لمسته فيه في تغير جذري شكلا ومضمونا، طرحت عليه إمكانية إجراء حوار صحفي، وإصدار تجربته في كتاب … تحفظ في البداية لكنني أقنعته بكون تجربته، وتحوله الإيجابي يجب أن يكون قدوة للشباب اليافع حتى لا يقع في براثين الفكر الظلامي مستقبلا.

طبيعي أنني لم أقتنع فقط بما كان يقول، ووضعت إمكانية أنه قد يكون يمارس التقية أو فقط أنه يسوق صورة مثالية من باب الحذر، مما جعلني أعمق النقاش معه في عدة جلسات طويلة، حاولت خداعه بطرح بعض الحقائق، والمواقف المحرجة التي توصلت إليها من خلال دراستي لبعض قضايا الإرهاب التي راجت أمام القضاء الإسباني.

مكنتني إجاباته السريعة والمتواترة من الاطمئنان إليه، وبحقيقة توبته النصوح، ومحاولته التكفير عن الآلام التي عانت منها أسرته ومحيطه الذي يحبه.

لا أخفيكم ولا أجامله إن قلت بأنه ليس فقط شخص نادم وتائب رجع لرشده، بل إنه نموذج يجب دراسته، وتدريسه لمعرفة عن قرب بعض التفاصيل النفسية، والعلمية التي ستساعد بدون شك العديد من الخبراء في برامجهم الرامية إلى وضع أنظمة، وبروتوكولات لمعالجة التطرف على المستوى الفردي.

ونظرا للكم الهائل من المعلومات التي صرح بها سفيان، المتعلقة بمراحل تطرفه، وتوبته، والعناصر التي ساعدته ودفعته للقيام بمراجعة ذاته؛ غايته المصالحة مع المجتمع والاندماج من جديد لما فيه مصلحة الوطن، اتفقنا على حصر هذا الحوار في 12 سؤالا مختصرا على أساس نشره كاملا بكل التفاصيل في كتاب سيصدر باللغة الاسبانية بعد بضعة أشهر، تخلله دراسة أكاديمية علمية لهاته الحالة التائبة التي نتمنى من الصميم ألا تكون الوحيدة في عالم التطرف الدموي.

كتاب الغاية منه تقديم نموذج حي واقعي يمكن الاستعانة به في برامج المراجعة والمصالحة مع المتشددين، خاصة وأن سفيان يمثل ظاهرة نادرة لشخص تحول من إيديولوجية متشددة لشخص مسالم، من شخص رأى بعينيه جرائم جد بشعة بعد أن تم خداعه أنه سيعيش تحت نموذج إسلامي يسوده العدل والرفاهية، والتطبيق الصحيح للإسلام….

1) بعد نشرنا لإعلان الحوار مع مقاتل سابق بصفوف داعش تائب، العديد من الغربيين تساءلوا حول كيفية إمكانية تحول مقاتل سابق إلى شخص عادي مندمج في المجتمع من جديد، دون أن يشكل خطرا أو يتراجع عن معتقداته؟ هل يمكن أن تشرح لنا هذا التحول؟

أولا، أبدأ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” كل بني آدم خطّاء. وخير الخطّائين الثوابين “، أما بنسبة لتساؤل الغربيين حول كيفية تحول شخص قاتل في صفوف داعش إلى شخص عادي مندمج من جديد في المجتمع. يحب الاعتراف أنه ليس بالأمر العادي أو الهين، لكن في حالتي، تجربتي هي التي دفعتني للقيام بمراجعة عميقة لما كنت مقتنع به عندما كنت متواجدا في سوريا؛ ولمست عن قرب كيف تم خداعي … نعم تجربتي لأنها هي التي أوصلتني للحقيقة، ولتصحيح مبادئي الدينية، وتصويب معتقد الخوارج الذي سلط علي من غير حول مني ولا قوة، ولا أخفيك حقيقة إن قلت لك بأن الشك بدأ يتسلل إلى قلبي من اليوم الأول من التحاقي بمعسكر التدريب الإعدادي، إذ رأيت بعض الأمور التي تخالف التطبيق الصحيح للشريعة.

بل الأنكى من ذلك، فخلال تواجدي بمعاقل داعش أصبحت منتبها لفهمي الخاطئ لعدة أمور شرعية كنت أومن بها سنوات قبل هجرتي للشام، لهذا فتجربتي هي التي أيقظتني، ودلتني على الحقيقة.

أما بنسبة للاندماج فأنا دائما أقولها ولله الحمد لا أعتبر نفسي مجرما أو مريضا نفسيا، فرغم تواجدي بمعاقل داعش، وبغض النظر عن التجارب الصعبة التي عشتها لدرجة أنني رأيت ملاك الموت مرارا وتكرارا أمامي، نعم ولله الحمد لقد كنت حذرا جدا حتى لا أقع في المحظور.

من جهة أخرى، أنا شخص اجتماعي، دائما متفائل، والناس في العرائش يعرفونني، ويعرفون ذالك عني، وها أنا أعيش منذ سنتين بعد تجربة السجن في وسط مجتمع مغربي مسلم، وكأن شيء لم يقع … فدوافع هجرتي لم تكون بسبب تكفير المجتمع أو أنني كنت قد وصلت لدرجة العزلة عن المجتمع أو التعامل مع بني جلدتي على أنهم مرتدين، بل كان بدافع الغيرة على أعراض المسلمين معتقدا أنني مسافر لأدافع عنهم، لكن الحقيقة المرة تتجاوز ما يمكن تخيله، وجدت تقتيلا بين المسلمين، واستخفافا خطيرا بأعراضهم.

لهذه الأسباب لا أعتبر نفسي خطرا على المجتمع، فالمغرب بلدي الذي أطلقت فيه صرختي الأولى معلنا ولادتي، نعم المغرب بلد أجدادي وعائلتي الصغيرة والكبيرة، وموطن أصدقائي ومعارفي وذكرياتي….

وفي هذا السياق، فحتى الغرب لا يمكن لي إلا أن أكن له إلا الاحترام والتقدير لما حققه من عدالة اجتماعية، وازدهار، واحترام لكرامة الإنسان بغض النظر عن مذهبه، قيم كنت معتقدا على خطأ أنني سأجدها في معاقل داعش.

2) بدون شك، الجواب سيفاجئ الكثير، من خلال ما بسطته يستشف بأن المصالحة مع الذات، والمراجعة لدى المتشددين شيء ممكن؟
نعم بالتأكيد ليس كل من يحمل هذا الفكر يمكنه أن يقوم بهذه الأعمال الطائشة أو الإرهابية. توجد عدة عوامل يجب الانتباه إليها، والتي تدفع حامل الفكر المتشدد للمرور إلى تطبيق ما يعتقد به. لهذا عندما نكون أمام شخص لم يصل بعد لتطبيق معتقده، مثلا عبر السفر لمناطق الحرب، نحن كمجتمع مدني وحكومات يمكننا العمل جاهدا على وضع برامج لحل هاته الظاهرة عن طريق توعية الشارع بالأنشطة الاجتماعية، والثقافية الفعالة، والدينية …
هذا مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة البحث عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين المواطنين.

وأيضا عن طريق إعطاء التائبين المغرر بهم في التنظيمات الجهادية فرصة ثانية في الحياة، والعمل، ولماذا لا فرصة إيصال تجاربهم.

عندما أقول هذا، فأنا لا أتحدث عن برامج تبقى على الرفوف أو يتم تسويقها عبر التلفاز لالتقاط الصور، بل أدعو للتطبيق الفعلي لها، مع توفير مواكبة مصحوبة بتوجيه نفسي واجتماعي للتائيين عن طريق أخصائيين في المجال.

مثلا الحوار معكم ونشره بمجلة ذائعة الانتشار والقراء يمثل لي فرصة الثانية للتصالح مع ذات والعالم بأسره، إذ أشعر أنني أصبحت شخصا يمكن الاعتماد على تجربته، وعلى رؤيته للظاهرة، شخص يمكنه المساهمة في برامج تقاوم التطرف الديني الذي يحيط بالمئات من الشباب المسلم بأوروبا.

لهذا السبب وافقت على إجراء الحوار معكم والتحضير للكتاب، ورفضت العديد من المنابر الصحفية التي كانت تبحث فقط عن السبق الصحفي.
أيضا لابد من توضيح أن توجهي لمنبر أوربي لإعطاء هذا الحوار، نابع من ثقتي في العدالة الأوروبية وخصوصا الإسبانية باعتبارها توفر سبل بديلة عن الزج التلقائي في السجون … عدالة ناجحة تؤمن بإعادة الاندماج، فحتى السجن بها لا يعد وسيلة للعقاب وإنما لإعادة تأهيل المذنب، أي أنها تعطي للمخطئين الفرصة الثانية.

هذا رغم ما تعانيه أوروبا مع ويلات الإرهاب … لذلك فضلت التوجه لمنبركم، لأنني لا أعتبر أوربا لا سابقا ولا حاليا كعدو أو أرض حرب يحب الجهاد فيها، فهي تتكون من دول شعوبها كافحت منذ قرون لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق حفاظا على كرامة الإنسان، قيم كنت أبحث عنها، وظننت أنني سأجدها بمعاقل داعش.

وفي هذا المضمار، تجدر الإشارة إلى أنني قبلت الحوار معك أنت بالذات لأنك أولا صديق الطفولة، وصديق العائلة، وبالتالي فعندي الثقة الكاملة في أنك ستنقل هذا الحوار من غير زيادة أو نقصان أو تحوير، مما يمكن أن ينعكس علي سلبا … عكس بعض المنابر الإعلامية المحلية أو المغربية التي لا يهمها سوى أن تركب على الحدث، ولا يهمها أن تجرك مرة أخرى إلى السجن.

راجيا أن يقرأ الشباب المتطرف بأوروبا، وخاصة أصحاب الفكر الداعشي تصريحاتي هذه حتى يستفيدوا من التجربة التي مررت بها، مبينا في نفس الوقت للرأي العام الدولي، والمجتمع المدني، والسلطات المغربية وغيرها عن حسن نيتي.

3) لندخل في صلب الموضوع، كيف كانت طفولتك ومراهقتك؟
طفولتي كانت جميلة مثل أي طفل نحن أسرة متوسطة الدخل، والدي رحمه الله كان إطارا بنكيا، أما والدتي فهي ربة بيت … عشت طفولتي مثل جميع الناس، بالنسبة للمراهقة كانت صعبة فقد كنت مراهقا مشاكسا (صعيب).

4) متى أصبحت ملتزما، وبدأت خطواتك الأولى نحو التطرف؟
في سنة 2006 تغيرت حياتي أصبحت شابا ملتزما بشريعة ربنا … أضحيت مدمنا على سماع مقاطع وفيديوهات الشيوخ مثل: محمد حسان المصري، والحويني، ومحمد حسين يعقوب … لقد كان لهم تأثير كبير على فؤادي.
وبعد ذلك غدوت أعفي لحيتي، وأقصر توبي، وأرافق من هم مثلي.
علاوة على أنني تعرفت حينئذ على بعض الشباب اللذين أطلق صراحهم من السجن على خلفية أحداث 16 ماي.

5) هل قاموا هؤلاء الشباب بالتأثير عليك؟
أكيد … كنا نتبادل فيما بيننا الأفلام الجهادية، والمعلومات عن قضايا الأمة، وعن الحروب التي وقعت آنذاك، وعن إعلان الزرقاوي بخصوص فرع تنظيم القاعدة…
6) هل تعني أن اتجاهك نحو التطرف كان ممكن تجنبه لو لم تلتقي بتلك المجموعة من السجناء، واستهلاكك للدعاية الجهادية؟
بصراحة حتى وإن لم تكن تلك الصحبة يبقى العالم الافتراضي دائما هو من يعطيك كل ما تريد تدخل للإنترنت، فعبر هذا الأخير تحصل على آخر الأخبار، وتطلع على جميع القضايا بدون معين مادي أدمي.

7) حسنا، متى بدأت التفكير في الجهاد؟
من بعد ما رأيت المجازر التي وقعت للشعب العراقي، وفي مختلف أنحاء العالم كالصومال، وبورما، وأفغانستان، وفلسطين، وسوريا … إذ بدأ يراودني شعور الهجرة لأساعد الشعب السوري، والانضمام لأحد الفصائل؛ خاصة وأن جل علماء الإسلام حينئذ كانوا يحثون على الجهاد من خلال النصوص القرآنية، معلنين أن الجهاد فرض على كل مسلم، ومبشرين بما أعده الله للمجاهدين … إلخ.

8) بعدما قررت الجهاد، هل أخبرت أحد أفراد عائلتك بالأمر؟
لا أبدا لم أفاتح أي أحد بالموضوع قط، فقد كنت أفكر في السفر بمعية زوجتي وأطفالي معي، لهذا حاولت أن أعرف رأيها حول العيش تحت حكم داعش طارحا سؤال عام، فسألتها حول رؤيتها في إمكانية العيش تحت ظل الشريعة عند الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأن نربي أطفالنا تربية إسلامية مائة في المائة،‎ إلا أنها فاجأتني بغضبها الذي تجلى في احمرار وجنتيها، قائلة كيف أذهب إلى أرض فيها الحرب والناس يفرون منها؟ هناك اقتنعت أنها قد تفسد علي خطتي، فلم أفاتحها من جديد في الموضوع، ولم أخبرها بسفري.

9) لنترك باقي التفاصيل لنسخة الكتاب، ولنمر للحظات التي سبقت سفرك إلى تركيا، حدثني عن الوقائع
بعد استلام جواز السفر قمت بشراء تذكرة الطائرة نحو اسطنبول في نفس اليوم.
حوالي الخامسة صباحا في اليوم الموالي استيقظت، حملت حقيبة صغيرة أعددتها الليلة السابقة خلسة عن زوجتي، قمت بتقبيل أبنائي وهم نائمين، ولا زلت أذكر تلك اللحظة قلبي كان يكاد أن يخرج من مكانه، ولا زلت أتذكر ابتسامة طفلي الأصغر (كان حينها عنده سنة ونصف) عندما قبلته فتح عينيه وابتسم. ابتسامته سيكون لها وقع كبير على نفسيتي لأتخذ خطوة العودة من جحيم معاقل داعش، وتحمل جنوحي حسب القانون الجنائي المغربي.

خرجت وشعوري الداخلي مختلط ومتناقض بين الحزن لفراق أبنائي وعائلتي، وبين الفرح لاتخاذ الخطوة الأولى نحو الهجرة للجهاد وإعلاء كلمة الله.

استقلت حافلة من المحطة الطرقية بالعرائش متوجهة إلى مدينة الدار البيضاء، ومن هناك إلى مطار محمد الخامس، حيث ركبت الطائرة المتوجهة لإسطنبول، ومن هناك إلى مطار أنطاكيا.

أتذكر لقائي بمواطن تونسي جلس بجانبي في الطائرة ظننته عميل مخابرات يقوم بتتبعي لطبيعة الأسئلة التي كان يطرحها.

شكي ازداد عندما صادفته من جديد في الطائرة المتوجهة لأنطاكيا، قبل أن نستقل معا نفس السيارة التي قامت بتهربنا نحو سوريا، فقد كان هو أيضا مجاهد في طريق الانضمام لداعش.

10) عندما وصلت لأنطاكيا، كيف دخلت سوريا؟

قبل تحضير السفر كانت تلزمني تزكية من أحد المنظمين لتنظيم داعش سابقا، وأن يتم قبولي من طرف قائد لقبه أبو منصور (المسؤول الأول عن أمن الحدود لدى التنظيم)، إذ أنه كان يقوم باستنطاق كل الملتحقين الجدد بنفسه، يستضيفهم حوالي أسبوع حتى 10 أيام، بحيث تتم مراقبة الجميع عن قرب، ودراسة تحركاتهم قبل إسنادهم مهمات داخل أجهزة التنظيم.

لهذا بعد التزكية حصلت على الرقم الهاتفي لأبو منصور، الذي يتواجد حاليا بالسجون العراقية.

كنت مجبرا حسب تعليماتهم ألا أقوم بالاتصال بأبو منصور حتى أصل لأنطاكيا.

لكن بعد مجموعة من المحاولات التي استمرت عدة أيام، لم أتلقى أي جواب منه، ففقدت الأمل في الدخول للأراضي التي كانت مسيطر عليها من طرف تنظيم داعش، فقررت الدخول عن طريق حركة شام الإسلام … لكن جاءني اتصال من ابو منصور، و أمرني أن أذهب إلى فندق اسمه Kant، وهناك اتصل بي شاب تركي أخذني إلى نقطة حدودية غير رسمية، وبعد حوالي نصف ساعة من التفاوض مع شرطة الحدود التي كانت مرابطة بالمكان، محاولا رشوتهم قصد تمكيننا من الدخول لسوريا، دون أن يقبلوا بذلك، لكن فجأة سمعنا طلقات نارية على بعد حوالي كيلومتر واحد ؛ تفيد أن هناك اشتباك على الحدود، فاتجهوا بسرعة على متن سيارتهم نحو مكان الاشتباك. في هاته اللحظة قام التركي باستغلال الفرصة وعبور الحدود عبر طريق غير معبد محاذي للنقطة الحدودية.

بعد حوالي كيلومترين داخل سوريا توقف المهرب التركي، حيث التحقت بنا سيارة كبيرة كان على متنها بعض المقاتلين الداعشيين مقنعين ومسلحين، فأخذونا لحلب عند أبو منصور، في الطريق علمت منهم أنهم هم من افتعلوا الاشتباك لتشتيت انتباه الأتراك حتى نستطيع الدخول، وهي وسيلة يقومون بها بين الفينة والأخرى عندما تتعقد الأمور مع الأتراك.

عندما وصلنا إلى حلب، استقبلنا أبو منصور وأقمت في المضافة حوالي عشرة أيام، بين الصلاة ودروس في العقيدة والفقه من طرف بعض الشرعيين، وبين أسئلة أبو منصور التي لا تنتهي … لقد كانت المضافة مثل اختبار لحسن نية الراغبين في الالتحاق بمعاقل داعش.

في اليوم التاسع أو العاشر، قاموا بنقلي إلى معسكر التدريب في نواحي حلب، حيث يمر كل الملتحقين الجدد، ويمكثون أربعين يوما منقطعين عن العالم الخارجي، يتلقون خلال هاته المرحلة دروس نظرية وتطبيقية في العديد من الأمور الشرعية، والشبه عسكرية. لكنهم أخرجوني من المعسكر فقط بعد يومين وأرجعوني للمضافة من جديد.

11) أعلم أنك ترغب في ترك عدة تفاصيل للكتاب، لكن أثار انتباهي كثيرا أنك مكثت فقط يومين بالمعسكر، فهل يمكنك شرح الأسباب؟
بعد الدخول للمعسكر وفي حضرة بعد الشرعيين الكبار الذي سأتطرق لهم فيما بعد، كل ملتحق يمر بنظام أمني دقيق، بحيث يتم تفتيشه ثلاث مرات من طرف ستة مقاتلين مختلفين.

أثناء الخضوع لهذا التفتيش، عثروا لدى مقاتل روسي جديد، أجهزة صغيرة جدا خبأها في “القناة الشرجية “. لا أفهم في هاته الأمور ولم أحضر خلال تفتيش هذا الروسي لكن حسبما أخبرونا، تلك الأجهزة يتم وضعها في مناطق حساسة واستراتيجية بحيث يسهل رصدها من طرف الطائرات الحربية، مع العلم أنه حينئذ روسيا لم تكن طرفا في الحرب، ولم تتدخل بعد فيها.

اتهموا الروسي بالجاسوسية، وقرروا إعدامه ذبحا، وتنفيذ ذلك في حينه في ساحة المعسكر على يد متطوع جديد.

الحمد لله أنه لم يتم اختياري للقيام بتلك الجريمة البشعة، لكن هاته الواقعة التي حضرتها هي التي سببت خروجي من المعسكر صباح اليوم الموالي، حيث رجعت بعد مرور حوالي عشرين يوما مع فوج ثاني.

12) لإنهاء الحوار، هل يمكنك أن تحدثنا عن بعض ما ستحتويه دفات الكتاب؟
أكيد، في الكتاب إن شاء الله سوف أذكر بعض التفاصيل المتعلقة بهجرتي والتي تجاوزتها في هذا الحوار، أظنها جد مهمة لكي لا يقع الشباب في نفس خطئي.

بعدها سأحكي كيف نجوت من الموت مرتين، خاصة وأنه في المرة الثانية قُتلت كتيبة برمتها باستثنائي مع مقاتل آخر، في حين تم أسر صديق عرائشي (ولد البلاد) …

أيضا سأتطرق لمجموعة من التفاصيل وقعت لي برفقة أحد المقاتلين خلال حراستنا للمبنى المركزي لولاية البركة حيث توجد محكمة الشدادي، عندما قمنا بإيقاف أبو بكر البغدادي وثلاثة من حراسه، ومنعناهم من الدخول تطبيقا لأوامر الوالي الذي كان يشترط إذنا خاصا لولوج المبنى على الجميع بمن فيهم الأمراء، ذلك الإذن كان يجب أن يحمل خاتما خاصا، والسبب من وراء ذلك يرجع إلى كون المبني كان يحتوي على الملايين من العملة الصعبة، وأسلحة، ومرآب كبير للسيارات، بالإضافة إلى سجن صغير تحت الأرض.

نحن لم نكن نعرف أنه البغدادي، فقط أمير من الأمراء الكثر لهذا طبقنا الأوامر حرفيا.

الكتاب سينقل ردة فعل البغدادي وتصرفه عند منعه من الدخول، وأيضا سأتناول موضوع ساعته الشهيرة الباهظة، التي أثارت انتباهي عندما كان يختم ورقة إذن دخوله للمبني بنفسه.

الساعة كانت نقطة من النقاط التي أفاضت الكأس، إذ كان وقعها كبيرا … وتجسيدا للخدعة التي تعرضت لها بمعية العشرات من المقاتلين.

سأتطرق بالتفصيل للأسباب الرئيسية، والدوافع التي جعلتني أتخذ قرار الرجوع، والهروب من معاقل داعش، كيف خدعت والي البركة أبو أسامة (أحد الأمراء الأكثر دموية) لكي يسلمني إذن الخروج نحو تركيا، وكيف قمت بمحاولة سابقة للهروب من دون إذن ولولا الأقدار للقيت مصير العديد ممن أعدموا لنفس السبب.
كما سأحكي تفاصيل رحلة العودة من تركيا إلى المغرب حيث سلمت نفسي للسلطات المغربية التي أشعرتها مسبقا بقدومي، لأواجه مسؤوليتي الجنائية وأدفع ثمن أخطائي وطيشي.

أجرى الحوار بهاء الدين بومنينة
باحث في قضايا الإرهاب وخبير قضائي لدى المحاكم الإسبانية
مسجل في جدول الخبراء تحت رقم 01052

النص الأصلي للمقال بالإسبانية منشور بالعدد 13 من المجلة العلمية المتخصصة في الجماعات الإسلامية (الغرباء) الصادرة باللغة الإسبانية من طرف منظمة CISEG (مختصة في البحث والأمن العالمي )
 
رابط المقال الأصلي

اترك تعليق 0 تعليقات

ان جريدة العرائش 24 الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العرائش 24 و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان العرائش 24 الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح العرائش 24 بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.