خوان غويتيسولو كاتب إسبانيا الأكبر، دفين العرائش و عاشق مراكش

مدير التحرير | 2019.01.06 - 11:18 - أخر تحديث : الأحد 6 يناير 2019 - 11:20 صباحًا
لا تعليقات
قراءة
شــارك
خوان غويتيسولو كاتب إسبانيا الأكبر، دفين العرائش و عاشق مراكش

كاتب إسبانيا الأكبر دفين العرائش وعاشق مراكش المغربية، المدينة التي اختار الحياة والموت فيها بعد مسيرة طويلة من العطاء الثقافي والإنساني

فاز غويتيسولو بجائزة ثربانتس الكبرى، والتي تعد نوبل الآداب الإسبانية، عام 2014، بعدما توقف عن كتابة الرواية ما يربو على ستة أعوام، وهي الجائزة التي وصلته متأخرًا وكان يتوقع ألا تصله أبدًا، إذ كانت مواقف الكاتب الكتالوني حادة جدًا اتجاه السلطات الإسبانية المتعاقبة، وكانت مقالاته سهامًا لا تعرف المواربة تصيب هدفها تمامًا، حتى إنه في خطاب تسلم الجائزة الكبرى وجه كلماته لسكان مراكش الذي يدين لهم، بحسب كلماته، بالكثير من الهدوء والسكينة، بل وتبرع بالقيمة المالية للجائزة إلى العائلة العربية التي تستضيفه في بيتها منذ 1997.

كان غويتيسولو قد هاجر من إسبانيا لفرنسا في خمسينيات القرن الماضي احتجاجًا على ديكتاتورية فرانكو وتكميمه أفواه الكُتّاب والمثقفين، وفي باريس واصل مشروعه الأدبي وانتقاده سلطة الطاغية. تزوج من الكاتبة مونيك لانج التي رحلت عن الحياة في عام 96، فقرر غويتيسولو، رغم انتهاء الديكتاتورية، ألا يعود لمدينته، بل الحياة في مراكش التي قضى فيها ما تبقى من حياته واستقبلت موته ظهيرة أول من أمس. من هذه المدينة العربية، تابع وانحاز الكاتب الإسباني لكل ما هو عربي، وكان أحد أهم وأكبر الأصوات الأجنبية المدافعة عن الثقافة العربية الإسلامية، وكتب العديد من المقالات المطولة عن فضل العرب وثقافتهم في الثقافة والتاريخ الإسباني القديم والحديث.

لم يكن غويتيسولو فقط صديقًا لمحمود درويش وإدوارد سعيد وجمال الغيطاني، من بين مثقفين عرب آخرين، بل كان بالأحرى صديقًا للثقافة العربية، وفي احتفال الدولة الإسبانية عام 1992 بمرور 500 عام على “استرداد إسبانيا” من العرب، كتب مقالًا مطولًا ينتقد فيه الاحتفال بمحاكم التفتيش ومخالفة المعاهدة مع عبد الله الصغير، وطالب الحكومة الإسبانية في مقالته بتقديم اعتذار للعرب عما حدث للموريسكيين على مدى لا يقل عن مائتي عام، ووصف عمليات الطرد والتهجير التي تلت سقوط غرناطة بأنها “بقعة سوداء في تاريخ إسبانيا”، وكان هذا الاحتفال بمثابة الاحتفال بالوصمة السوداء.

التزام وفن

اتجهت الرواية الإسبانية بعد الحرب الأهلية (1936-1939) إلى التوثيق والالتزام، وسادت رواية اجتماعية لا تتجاهل، مع ذلك، رقابة فرانكو ويده الحديدية. في الخمسينيات بدأ غويتيسولو مسيرة الكتابة، وكانت روايته “ألعاب يدوية” (1954) نموذجًا لهذه الروايات الواقعية الاجتماعية التي وقعت في الفخ، فخ الالتزام وليس انتصارا لفن الرواية، ثم واصل نفس الطريق في باريس، ثم في الثمانينيات سينشر كتابه اللافت ذا الطابع السيري “في ممالك الطوائف”. قبل ذلك نشر رواية “علامات هوية” في المكسيك بعد أن منع نشرها في إسبانيا، وفي بداية السبعينيات انتبه غويتيسولو لفخ الواقعية والتوثيق وتكونت لديه تصورات فنية دفعته للتجريبية والطليعية، هكذا، وهو في الخامسة والثلاثين، سيصنع أعمالًا بارزة في الأدب الإسباني ليصنفه النقد كأحد أفضل كُتّاب إسبانيا في القرن العشرين، وربما يذهب بعضهم لاعتباره أهم مؤلف بعد ثيربانتس.

وتعليقًا على هذا التحول، قال غويتيسولو ذات مرة: “في كتبي الأولى قمت بواجبي كمواطن، لا ككاتب: يجب أن نعيد للأدب شيئًا مختلفًا عما تلقيناه. والعمل الحقيقي هو العمل المجدد، وأنا لم أكن قد صنعت قطيعة مع القانون الأدبي المستقر”. القطيعة حدثت مع أعمال مثل “مطالب الكونت دون خوليان” “خوان بلا أرض” “المقبرة” “فضائل العصفور المنعزل”، والتي لجأ فيها للتجريبية الشكلية لتناول موضوعات تقليدية مثل البؤس السياسي والأدبي في إسبانيا، والتقليد الصوفي أو التصوف المسيحي. خلال هذه الفترة أيضًا عمل غويتيسولو مراسلًا حربيًا في سراييفو والجزائر والشيشان، وهي التجارب التي تحولت لريبورتاجات صحافية ذات بعد تحليلي عميق جمعها بعد ذلك في كتاب. كما صنع العديد من الأفلام الوثائقية عن الثقافة الإسلامية لتلفزيون الإسباني، مثل “القِبلة”، ودفعه انحيازه للثقافة الإسلامية لتعلم اللغة العربية.

غويتيسولو والعرب

بالإضافة لمواقف غويتيسولو المعروفة والمسجلة في مقالاته التي انتقد فيها السلطة الإسبانية، سواء لموقفها من المهاجرين أو لتجاهلها التاريخ العربي في إسبانيا أو لمشاركتها في غزو العراق، انتصاره المتواتر لملامح الثقافة الإسلامية، سجّل الكاتب الإسباني موقفًا جديدًا يتسق مع مبادئه حول الحرية برفضه القاطع لجائزة القذافي في دورتها الأولى، وقال صراحةً إنه لا يمكن أن يقبل جائزة تحمل اسم ديكتاتور، وعبّر عن حبه للشعب الليبي.

وبعد نشوب ثورات الربيع العربي، زار غويتيسولو القاهرة في أبريل/ نيسان عام 2011، وكان من أكثر المنحازين للثورات العربية، وعبّر عن سعادته بقيام ثورة استطاع فيها الشعب خلع رئيس ديكتاتور، لكنه لم يشعر بكثير من الاطمئنان لانتقال السلطة للمجلس العسكري في مصر.

خلال هذه الزيارة، أصر غويتيسولو، وكان في الثمانين، وكانت الأوضاع في القاهرة شديدة الاضطراب، أن يتجول بميدان التحرير، متخيلًا كيف كانت الـ 18 يومًا التي استقر فيها الثوار في هذا الميدان. ولاضطراب الأوضاع، تعرض لمضايقات من البلطجية ورجال الأمن (أو البلطجية رجال الأمن) الذين فتحوا معه تحقيقًا في الميدان عمن هو وماذا يفعل في الميدان، فأخبرهم أنه سائح لينهي شكوكهم.

لم تكن زيارته للقاهرة، والتي التقيته فيها وأجريت معه حوارًا، مجرد فضول فقط، بل زيارة لأرض المعركة التي سيكتب عنها فيما بعد بحثًا طويلًا عن مآلات الربيع العربي، طرح فيه مخاوفه من أن يتحول “الربيع” إلى “خريف عربي”، وكان ذلك في مرحلة مبكرة من ميلاد الثورات.

لكن فضلًا عن انغماسه وتورطه في العالم العربي في الواقع المعيش، انغمس أيضًا في هذا العالم عبر رواياته التي تظهر فيها مقابر القاهرة، كما يتجلى فيها التصوف الإسلامي خاصة في روايته “الأربعينية” التي يستحضر فيها متصوفة عربًا وإسبانًا، في رحلة صوفية ملأى بالأسئلة والخيالات.

الشعر كخاتمة

توقف غويتيسولو في سنواته الأخيرة عن كتابة الرواية، وخصص جل وقته للقراءة وكتابة مقالات شهرية، وتحديدًا للشعر. وفي 2014 صدر ديوانه الوحيد “اضطرام، رماد ومحو للذاكرة”، ومن المتوقع العثور على دواوين أخرى غير منشورة.

والعام الماضي أودع غويتيسولو كتابًا لوكالته الأدبية بالسيلس مع وصية نشره بعد وفاته بعشرة أعوام. أما محتوى الكتاب فلا يعرفه أحد، ولم يقل عنه الكاتب العجوز إلا أنه مجرد ذكريات شخصية.

– في سنة 2009 رفض جائزة القذافي العالمية للأدب” (قيمتها 200 ألف دولار) لأن مصدرها المالي -وفقا لما كتبه هو- كان الجماهيرية الليبية، وقال: لا يمكن أن أحمل جائزة تحمل اسم ديكتاتور، القذافي ليس ديكتاتوراً فحسب، إنه وحش”.

منقول من صفحة الدكتور جمال عبد الرحمن أستاذ الأدب الإسباني

اترك تعليق 0 تعليقات

ان جريدة العرائش 24 الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العرائش 24 و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان العرائش 24 الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح العرائش 24 بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.