العرائش: جوق عشاق الطرب للموسيقى الاندلسية بين حضور المرددات وغياب الكورال

مدير التحرير | 2019.03.12 - 11:12 - أخر تحديث : الثلاثاء 12 مارس 2019 - 11:12 صباحًا
لا تعليقات
قراءة
شــارك
العرائش: جوق عشاق الطرب للموسيقى الاندلسية بين حضور المرددات وغياب الكورال

بقلم عزيز قنجاع

كان جمهور الموسيقى الأندلسية بمدينة العرائش على موعد موسيقي متميز مساء يوم السبت 09 مارس 2019 بقاعة سينما ابينيدا، ضمن فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للمرأة حيث أحيى جوق جمعية عشاق الطرب للموسيقى الأندلسية والصوفية والإبداع الفني بالعرائش حفلا فنيا أندلسيا صوفيا تحت شعار ” نساؤنا فخر لنا “، وقد كانت مفاجأة الحفل هو إشراك جمعية عشاق الطرب للموسيقى الأندلسية برئاسة المقتدر المتألق الأستاذ احمد الدراوي للكورال النسوي الخاص بالجمعية، وهو الموضوع الذي سأناقشه بعد قليل في هذا المقال.

لكن لا بد لي أن أشير في البداية إلى أن حدث غناء فرقة جمعية عشاق الطرب لنوبة من أصعب النوبات على الإطلاق في الموسيقى الأندلسية وهي نوبة غريبة الحسين، شكل بالنسبة لي حدثا نوعيا في الأداء الأندلسي بمدينة العرائش بخروج مجموعاتنا الأندلسية من أداء مقاطع أصبحت مألوفة من الطرب الأندلسي الى أداء نص من ريبيرتوار الموسيقى الأندلسية والذي يعد من أجمل النصوص التراثية على الإطلاق ومن أروع نوباتها، وكان قد عمره العالم الكبير الفذ سيدي حمدون بالحاج من أعلام القرن السابع عشر و الثامن عشر. وهي قصيدة بمضمون فلسفي قوي و برؤية عميقة للتشابك الحاصل بين الرغبة الجامحة في الحياة والتفحص الغائر لمناحي الروح وهي قصيدة تفتح ابواب التصوف والزهد في نفس الوقت الذي تدعوك فيه للانصراف المطلق لمتطلبات الرغبة والدنيا وهي قصيدة حكمية توازي في عظمتها قصائد الخيام وابن عطاء الله، كما ان حضور غريبة الحسين في المخيال الجمعي الأندلسي كان وراء كتابة الرواية الرائعة للسيد احمد التوفيق وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية الراهن، وهي الرواية التي اخدت اسم النوبة ، رواية “غريبة الحسين”.

ان استعمال الكورس النسوي الغنائي في الموسيقى الأندلسية محاولة تحمل الكثير من المغامرة فقد حاول المرحوم عبد الصادق شقارة الاستعانة بكورال نسوي في بعض مقطوعاته الشعبية المستمدة من المزيج الحاصل بين الايقاعات الشعبية المستمدة من الطقطوطة والتراكم الهائل للإيقاعات المستمدة من روح الحضرة و ترديدات أذكار الزاوية الحراقية، الا ان هذه الكورالات بقيت تلعب دور الجوقات البديلة choeur alterné او المرددات والتي تكتفين فيه بترديدهن لللازمات الشعرية والغنائية القارة مع أداء بعض الرقصات الاصيلة الاندلسية والجبلية لمنطقة الشمال المغربي . ولم ترق يوما لمفهوم الكورال أو الكورس إطلاقا.

ففكرة الاستعانة بالكورس في الأداء الغنائي الأندلسي سيكون بلا شك تثويرا للأداء الغنائي الأندلسي مما سيؤسس لا محالة لتعاطي مغاير مع مفهوم الغناء الأندلسي، الذي ظلت السيطرة فيه دائما للمنشد الرئيسي الذي بقي بصفة ثابتة مهيمنا على الغناء في الجوق الاندلسي بدعامات موازية من العازفين الاخرين .

فإقحام الكورال النسوي لجمعية عشاق الطرب بالعرائش في حفل 09 مارس بسينما ابينيدا كرافعة موازية للاداء الغنائي للمنشد الرئيسي، او بتوازي مع غناء المنشد الرئيسي الفنان البديع السي احمد الدراوي المسند ب 14 عازفا وبدعم صوت مساعد بجهورية نسوية فاتنة لسلوى بنشقرا ، لم يعط اي تميز للكورس او الكورال النسوي الذي بدا حضوره دون اهمية فنية او جمالية او أية إضافة للمضمون الغنائي الاصلي لنوبة غريبة الحسين حيث بقي الكورس دون حضور متميز وغائب تماما وراء التركيز الادائي للتينور المبهر في ادائه الاستاذ رئيس الجوق الأندلسي احمد الدراوي، والمساندة الصوتية الغنائية المتفردة للعازفة سلوى بنشقرة، هذا في الوقت الذي كان في نظري البسيط من الضروري اتاحة مساحات غنائية واسعة للكورال النسوي لغناء صنعات كاملة يتم اختيارها وفقا للميازين المناسبة، خصوصا وان غنائية غريبة الحسين الأندلسية من الفساحة و من التنويعات على مستوى الصنعة تصل الى 84 موزعة على اصناف عدة بالإضافة إلى روعة مطلعها الموسيقي الذي جاء متأخرا على مستوى العزف والذي يعزف بعد أداء مطلعها الغنائي “هل لِي مِنْ مُدَاوِي الهَوَى “، مما كان يفترض معه اختيار صنعات محددة يتوارى فيها المنشد الرئيسي الى الخلف و يترك المجال للكورال لاداء صنعات محددة موافقة لطبعات على موازين مساعدة مثل صنعة شغل توشيح ،” ليل عجيب” وكذا صنعة مقتضب – شغل “أنْتِ أحْلَى مِنَ الـمُنَى” على ميزان بطايحي، والتي لم تتم تأديتهما رغم اندراجهما ضمن المقطوعات المقرر غناؤها. وكذا مجموعة من الصنعات الاخرى المواتية للاداء الجماعي في حين يتفرد الاستاذ احمد الدراوي احيانا باداء صنعات موافقة او يعيد اداء تلك التي اداها الكورال وعلى طريقته الخاصة مما سيجعل الجمهور يستمتع بالاداء النسوي الجماعي للكورال والذي ستساعدهن هكذا مساهمات غنائية واضحة من تطوير ادائهن الجماعي لتبرز وتتميز السوبرانو منهن تارة باداء خاص وتتعالى تارة اخرى اصوات الكورال متشابكة في اداء موحد مشكّلا صدى هادرا بالطاقة والابداع. في مشهد ينبئ بحياة جديدة وتفاؤل تقودهما الدقة في العزف وجهد العازفين لتأدية عملهم بشغف وحب ورقيّ. كما سيمكن اجتماع كل الطبقات الصوتية النسائية الأساسية في مجموعة واحدة من تجربة غناء عدة خطوط لحنية في آن واحد ، وهو ما يتميز به الغناء الاندلسي الذي يتغنى في ان معا على خطوط لحنية متفاوتة ، كما يمكن تجريب الغناء باصوات في خطوط لحنية مختلفة حسب طبقة كل مجموعة معينة من الكورال وفي آن واحد ، ثم ترجع في نهاية المقطوعة مرة أخرى للغناء بطريقة الخط اللحني الواحد
ان اداء نص غريبة الحسين بالتفكير بمنطق الكورال وليس بمنطق المرددات، سيخلق لنا تنويعات على مستوى الاداء وبجمالية متميزة من خلال نغمات العازفين، ويلوّن مفاصل نص غريبة الحسين وينوعها ، ويحرّك وجدان الحاضرين بخشوع يضفيه الجوّ الأصلي للمقطوعة. لتكون حسب المقام فرحة طربة واخرى حزينة وخاشعة.

ان رهان جمعية عشاق الطرب للموسيقى الاندلسية والصوفية والابداع الفني بالعرائش يبدو كبيرا فقد راهنوا ونجحوا في الرهان وأدخلوا الكورال للموسيقى الاندلسية ، وعبدوا الطريق نحو التميز ولا يحتاج الامر الا للكثير من العمل و التنويع و التجريب و الاستفادة من تجارب الكورال خارج حقل الموسيقى الاندلسية، فحتى نجعل الموسيقى الاندلسية موسيقى عالمية علينا ان نحررها من القداسة بالاجتهاد والابداع المتدفق والدائم والجسور.

اترك تعليق 0 تعليقات

ان جريدة العرائش 24 الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العرائش 24 و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان العرائش 24 الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح العرائش 24 بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.